USFP bann

مسرحية «الكونجي» لفرقة رواد الخشبة: حين تتجاوز الدراماتورجيا أسر الواقعية التوثيقية لتشريح التناقضات المجتمعية

مسرحية «الكونجي» لفرقة رواد الخشبة: حين تتجاوز الدراماتورجيا أسر الواقعية التوثيقية لتشريح التناقضات المجتمعية

كان لجمهور المسرح عامة و للجهة الشرقية خاصة موعدا ممتعا في العرض الأول لمسرحية «الكونجي» لفرقة رواد الخشبة للمسرح، على خشبة مسرح محمد السادس بوجدة، وهي التجربة التي صاغ نصها الكاتب المسكيني الصغير . ومن أخراج ودراماتورجيا حفيظ البدري.

ولا شك انها حاربت الركود الفني الدي تعيشه ساكنة وجدة و فتحت نقاش جمالي ومجتمعي يفكك المرجعيات العميقة للعرض وسياقاته المادية والفكرية.
1. الدراماتورجيا ليست محاكاة آلية للواقع، بل مساءلة لرمزيته…
دار سجال عن استحضار بعض الشخصيات لـ«الذهاب إلى الجامعة للدراسة» داخل فضاء الاصطياف، معتبرةً ذلك نشازاً يربك المنطق الزمني والمكاني للعرض.

وهنا نؤكد على مبدأ مسرحي جوهري: الدراماتورجيا لا تعني بالضرورة محاكاة الواقع الحرفي (Mimesis) أو النقل الفوتوغرافي الصارم.

لقد أعلن التصور الإخراجي بوضوح عن اعتماده نصاً احتفالياً يرتقي فوق النقل الواقعي المباشر ليصنع فرجة تتقاطع فيها خطوط “الواقع مع الحلم، والكوميديا مع التراجيديا”.
إن استحضار الجامعة داخل فضاء المخيم/الاصطياف ليس فلتة قلم أو ارتباكاً زمنياً، بل هو اختيار دراماتورجي مقصود يحمل بعدين:
• البعد الرمزي في مواجهة الفوارق الطبقية: إذا كانت المسرحية تفكك الصراع الطبقي وتكشف زيف فكرة أن “البحر عادل بين الجميع” حين يستمر استعباد المدير للعامل (إبراهيم) حتى في فترة الاستجمام، فإن استدعاء الجامعة هو استدعاء للمكان المعرفي والاجتماعي الذي تنمحي فيه التمايزات والطبقية؛ فعلى مقاعد المدرجات تتساوى الرؤوس، ويلتقي ابن العامل بابن المدير على قدم المساواة في التحصيل والنضال.
• البعد الواقعي الراهن: حتى على مستوى المطابقة الزمنية الصرفة، فإن الواقع الجامعي المغربي اليوم يشهد امتداداً للمواسم الجامعية والامتحانات الاستدراكية حتى أواخر يوليوز أو شهر غشت ومطلع شتنبر، وهي ذات الفترات الزمنية المفتوحة التي تتوزع فيها عطل العمال (الكونجي) بين يوليوز، غشت، أو شتنبر، مما يجعل التداخل بين زمن الجامعة وزمن العطلة تقاطعاً واقعياً ومعاشاً لا لبس فيه.
2. جرأة الطرح المجتمعي والسياسي: المسرح كمنصة اشتباك
تجاوزت مسرحية «الكونجي» حدود الكوميديا الترفيهية لتُعيد المسرح إلى وظيفته النبيلة والملحة كفضاء لطرح النقاشات المجتمعية والسياسية الحارقة التي تشغل الرأي العام:
• قضايا الفساد والشطحات الحزبية: طرح العرض بجرأة وجوه الفساد واختلاسات المال العام، وعرّى حمى الانتخابات والشطحات السياسية البهلوانية والتدافع المصلحي بين شعارات اليمين واليسار التي تفقد مبادئها في بورصة المنافع الشخصية.
• جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة: لم يغب البعد الإنساني والأسري عن المعالجة؛ حيث تم تشريح العلاقات المعقدة بين الجنسين تحت وطأة الحاجة والضغط الطبقي، وكيف تنعكس علاقات التبعية في العمل على دينامية الحياة الزوجية والأسرية (علاقة إبراهيم وزوجته عائشة في مواجهة أسرة المدير، و تبعية المدير لزوجته زليخة المتسلطة و الانانية ).
• التحول السيكولوجي بتغير الموقع الطبقي: لعل من أعمق ما أثاره العرض هو رصد ذلك “التحول النهائي” والخطير في بنية شخصية الإنسان حين تتغير طبقته الاجتماعية وموقعه المادي؛ كيف يتحول الضحية إلى جلاد، وكيف تُبدل الامتيازات قناعات الأفراد، ليتضح أن المشكلة ليست في الأشخاص فحسب، بل في النسق الطبقي الذي يعيد إنتاج الاستبداد.
3. الإضاءة وتحديات الإمكانات التقنية المتاحة
لكن ضرورة خلق مناخات تنقل المتفرج إلى روح المكان والحدث، وهي غاية كانت حاضرة بقوة في الرؤية الإخراجية والسينوغرافية.

إلا أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن العوائق التقنية وظروف التجهيزات المتاحة في القاعة حَدّت بشكل ملموس من التجسيد الكامل للإضاءة كما خُطط لها في التصور السينوغرافي.
فالإضاءة في العرض لم تكن مجرد كشافات لتنوير الخشبة، بل صُممت لتلعب دوراً جمالياً وفلسفياً يحيل على عوالم “الحلم” وشاعرية النوافذ والفضاءات المفتوحة والمغلقة، ولتكون كاشفة للمسكوت عنه ولحظات الغش والخيانة والانكسار.

إن القصور التقني الخارج عن إرادة الفريق الفني—سواء تعلق بضعف تجهيزات المسرح أو إكراهات لوجستية أخرى غير معلومة—هو الذي حجب جزءاً من هذه الشاعرية الضوئية التي كان من شأنها إبراز التباين بين قسوة الواقع وأفق الحلم.
4. الأداء الجماعي: تفكيك واعٍ يوحي بغياب للانسجام
و من الواضح لما يحمله الفريق من تراكمات سابقة ان المنهجية التي اتبعها المخرج في بناء العرض، والتي ارتكزت على التدرج من العلاقة التباعدية (حيث ينفصل الممثل عن تماهيه الساذج مع الشخصية) مروراً بـالعلاقة التواطئية، وصولاً إلى العلاقة التفاعلية البسيكو-فيزيائية والتكثيف الفانتازي يعالج موضوعاً مشحوناً بالتناقض، والتوجس، والمفارقات الصادمة؛ والانسجام المطلوب في فرجة من هذا النوع ليس ذلك التناغم الهادئ والمطمئن، بل هو “انسجام التنافر والتصادم” الذي يعكس التوتر المستمر بين شخصيات مشحونة بتناقضاتها الاجتماعية وطموحاتها المجهضة.
إن مسرحية «الكونجي» لفرقة رواد الخشبة—التي جمعت طاقات فنية مميزة من مختلف مدن الجهة الشرقية (وجدة، بركان، الناظور، جرادة)—تُبرهن على أن المسرح بالمنطقة لا يزال حياً، يقظاً، ومشتبكاً مع واقعه السياسي والاجتماعي.
وباعتباره عرضاً أولاً خاض تحديات لوجستية وتقنية متعددة، فإنه نجح في فتح كوة واسعة للتفكير في أسئلتنا المصيرية: من التمايز الطبقي، إلى استباحة المال العام، وتحولات النفس البشرية. عرض مسرحي كانه كائن حي يتنفس، ينضج، ويعيد ترتيب أوراقه مع كل لقاء جديد بخشبة المسرح وبجمهوره المتفاعل.

توفيق توفيق .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*