المهرجان الوطني للمسرح .. مهرجان لا وطني .

المهرجان الوطني للمسرح .. مهرجان لا وطني .

كتبها: حفيظ البدري

كنت أنتظر تكريم صوفيا هادي في هذا المهرجان، مع كامل احترامي لجميع المكرّمين، تقديراً لما قدموه للمسرح المغربي.

فصوفيا هادي ليست مجرد زوجة الفنان الراحل نبيل لحلو ،ووارثة تجربته ، بل فنانة لها مسارها ومكانتها في الذاكرة المسرحية المغربية، وتستحق ما يليق بتجربتها من انتباه واعتراف.

في الدورة الماضية من المهرجان الوطني للمسرح، غاب نبيل لحلو عن الحضور، وقد أخبرني شخصياً أنه مُنع من المشاركة.

واليوم، بعد رحيله، يغيب حضوره الرمزي أيضاً، وتغيب معه أي التفاتة واضحة إلى رفيقة مساره، صوفيا هادي.

لا أريد أن أجزم بدوافع هذا الغياب، لكن تتابع الواقعتين يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل ينتهي الاعتراف بالفنان إلى هذا الحد، حتى يصبح رحيله مناسبة أخرى لتغييب اسمه وذاكرته؟

لم يكن نبيل لحلو يرى في المسرح مجرد حرفة للترفيه، بل وسيلة لخلخلة اليقين وكشف تناقضات الواقع.

ومهما اختلفنا مع اختياراته الفنية، فإن مكانته لا تُمحى بالصمت، ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات إلى سبب لتغييب أثره من الذاكرة المسرحية الوطنية.

إن الخوف من المسرح لا يعني بالضرورة الخوف من الفنان شخصياً، بل قد يكون خوفاً من الأسئلة التي يتركها، ومن قدرته على إزعاج المألوف.

وربما كانت المفارقة أن يظل الفنان حاضراً بأعماله بعد الموت، بينما يغيب حضوره الرمزي عن مؤسسة يفترض أن تحتضن ذاكرة المسرح بكل اختلافاتها.

لكن القضية لا تتعلق بنبيل لحلو وصوفيا هادي وحدهما؛ إنها تتعلق أيضاً بمعنى كلمة «وطني» حين نلصقها بمهرجان مسرحي.

ماذا لو احتفى المهرجان الوطني باثنتي عشرة مسرحية، تمثل الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، وتصل إليه بعد مسابقات جهوية شفافة، تختار كل جهة من خلالها أجود إنتاجاتها المسرحية؟

عندها لن يكون المهرجان مجرد تجمع لعروض مختارة، بل لقاءً وطنياً حقيقياً بين تجارب تنبع من بيئات مختلفة وتحمل رؤى جمالية وثقافية متعددة.

ستأتي كل جهة بما أنتجته، وسيتحول التنافس إلى فرصة للاعتراف المتبادل، لا إلى سباق نحو منصة محدودة.

هنا يمكن أن نتحدث عن صناعة مسرحية حقيقية؛ صناعة تحترم الجهات، وتصون تنوع التجارب المغربية، وتؤمن بأن الجودة ليست حكراً على مركز جغرافي بعينه.

صناعة تسهر على قيم الجمال والمواطنة الحقة، وتجعل العدالة الفنية المجالية جزءاً من بنيتها، لا مجرد عبارة تزيّن خطابها.

أما أن نطالب الجهات بإنتاج مسرحها، ثم لا نمنحها آليات عادلة للوصول إلى المهرجان الوطني، فذلك يشبه إقامة مباراة من دون تصفيات واضحة، ثم الادعاء بأن النتيجة تمثل الجميع.

وبكل عقلانية، ننتظر أن تحمل الدورات المقبلة تغييراً ملموساً، وأن تصبح الجهوية ممارسة فعلية في البرمجة والاختيار والتكريم، بما ينسجم مع روح العدالة المجالية التي يدعو إليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.

نحن من هنا،( نشني نسا)، ومن سائر جهات الوطن.

ما قطر بينا السقف، وما حنا مرتزقة.

لا نطلب إقصاء أحد، ولا نريد امتيازاً خارج الاستحقاق؛ نريد فقط أن يكون لنا مكان عادل في خريطة الاعتراف المسرحي.

أما نبيل لحلو، فليس المطلوب أن نتفق مع كل ما قدمه، بل أن نعترف بحقه في الاختلاف وبمكانته في تاريخ المسرح المغربي.

وصوفيا هادي تستحق أن تُستحضر باعتبارها فنانة، لا باعتبارها مجرد اسم مرتبط بغياب زوجها.

فهل سنرى مهرجاناً وطنياً يجمع الجهات بعدالة، ويصون الذاكرة من الانتقائية، ويمنح كل تجربة حقها في الحضور؟ أم سنظل نكتفي بمهرجان يبدو عامراً في واجهته، بينما تظل أجزاء من الوطن المسرحي خارجه؟

إذا كان المهرجان الوطني لا ينصف الجهات، ولا يصون ذاكرة مبدعيه، ولا يتيح للتجارب المختلفة فرصة عادلة للتنافس، فبأي معنى يستحق صفة «الوطني»؟

أما ما دون ذلك، فليس صناعة مسرحية وطنية؛ إنه مجرد «بريكول» يرتدي لباس الوطنية.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*