السيد محمود عرشــــــــــــــــــــــــــــان،
كتبها: عبد السلام بوطيب
أكتب إليكم اليوم من موقعي كفاعل في العدالة الانتقالية، مؤمن بتجربة بلده في الإنصاف و المصالحة، ومن تجربة شخصية ما زالت تحمل ألم التعديل و الاعتقال الفضيع، وبعد ربع قرن من العمل على بناء مصالحة تليق بالمغاربة وتصون كرامتهم.
لا أعرف سيدي إن كنتم قد شاهدتم فيلم «Argentina, 1985»، الذي يستعيد محاكمة قادة الحكم العسكري الأرجنتيني سنة 1985.
أستحضره هذا الفلم الجميل لما يطرحه من أسئلة حول شهادات الضحايا، وإثبات المسؤوليات، وقدرة مجتمع على مواجهة ماضي الانتهاكات.
لقد اخترت الانخراط في هذا الأفق بكل صدق.
راهنت على قدرتنا على تحويل المعاناة إلى إصلاح، وعلى أن يصبح الاعتراف بما جرى أساسًا لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وكان أملي أن يتمكن أبناؤنا من العيش في وطن يشعرون فيه بالأمان، ويستطيعون التعبير والاختلاف دون خوف.
لهذا آلمني وصفنا ب «الطابور الخامس» الذي استعملتموه، بحسب ما نقلته الصحافة عن مداخلتكم بمجلس المستشارين، في سياق الرد على من يثيرون الاتهامات المرتبطة بماضيكم الأمني.
فمن يناقش شهادات عن الانتهاكات يستطيع أن يعترض عليها، وأن يطالب بأدلتها، وأن يقدم روايته بشأنها.
أما وضع وطنية أصحابها موضع شبهة، فيضيف إلى الخلاف حول الوقائع إهانة يصعب على من تألموا احتمالها.
إنه التاريخ، أيها السيد محمود عرشان… فقد تعيد كلمة واحدة منه إلى الحاضر ألمًا ظن بعضنا أن الزمن خفف وطأته. وما يبدو للبعض سجالًا سياسيًا عابرًا قد يستعيد لدى آخرين تجربة اعتقال قاسية، أو خوفًا و رهابا قديمًا، أو فقدًا لم يجد جوابًا.
ومن موقعي الشخصي، أقول إن تجربة التعذيب والاعتقال أورثتني حزنًا عميقًا لم يبدّده انخراطي الصادق في المصالحة.
فحتى اليوم، حين تحلّ ذكرى اعتقالي، أبكي، وقد يستغرقني البكاء يومًا كاملًا.
دموعٌ حرصت على إخفائها عن ابنتي وزوجتي وعن الناس، وأنا أواصل العمل وأتشبّث بالأمل.
أكتب هذا لأنني أعرف مقدار الجهد الذي يتطلّبه أن يحمل الإنسان ألمه طوال ربع قرن، وأن يظلّ، رغم ذلك، قادرًا على العطاء والرجاء.
