لعبة التاريخ الماكرة

يونس مجاهد

عادت عقارب الساعة إلى الوراء، بالنسبة للوضع السياسي الإسباني، حيث اتفق حزبان انفصاليان في كاتالونيا، على اختيار كارلوس بوغديمونت، رئيسا للحكومة المحلية، رغم أنه يقيم حاليا في بلجيكا، لتفادي اعتقاله من طرف حكومة مدريد، التي أصدرت قراراً باعتقاله، على خلفية اتهامه بالعمل على انفصال كاتالونيا عن إسبانيا.
وتتوفر الأحزاب الانفصالية على إمكانية اختيار رئيس للحكومة المحلية، رغم كل المحاولات التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية، مانويل راخوي، زعيم الحزب الشعبي، اليميني، لتفادي هذا الوضع، عندما أقدم على حَلّ حكومة كاتالونيا وبرلمانها، ودعا لانتخابات مبكرة، لكنه فشل في تغيير الوضع السياسي، رغم أن سلطات مدريد تسيطر حاليا على الإقليم، بكل وسائل القوة الأمنية التي تملكها.

لذلك فإن أزمة كاتالونيا ستستمر، لتؤكد أن اسبانيا تعاني من مشكل عميق ومزمن ومتأصل، في وحدتها، التي كشفت تطورات كاتالونيا، هشاشتها، بالرغم من كل الدعم الذي تناله من الإتحاد الأوروبي ومايسمى بالمنتظم الدولي، غير أن جزءا هاما من الشعب في أهم إقليم بهذه «الأمة» الإسبانية، يصمد في رفضه الانتماء لها.
ويمكن القول إن مواجهة هذا الوضع ستكون معقدة، بالنسبة لحكومة مدريد، التي لن تتمكن من القضاء على دعوة الانفصال القوية داخليا، رغم كل الترسانة القانونية والأمنية التي استعملتها، كما أن كل ما قامت به هذه الحكومة والأحزاب التي وقفت ضد الانفصال، وعلى رأسها حزب «بوديموس» المنتمي لليسار الجذري، ينزع عنها عباءة التعاطف مع الدعوة الانفصالية تجاه الصحراء المغربية، التي تستمد دعمها من الخارج، وخاصة من الطغمة العسكرية في الجزائر، وليس من الداخل.
لقد لعب التاريخ لعبته الماكرة، فأصبحت الدولة الإسبانية، بمؤسساتها وأحزابها ونقاباتها وجمعياتها، التي كانت تدعي تقديم الدروس لغيرها في تقرير مصير الشعوب، أمام امتحان حقيقي وعسير، تعاملت معه بلغة القمع والاعتقالات والسيطرة العسكرية، التي قد يسميها آخرون، احتلالا لإقليم، كاتالونيا، الذي يوجد عدد من زعمائه الانفصاليين في السجن وآخرون في المنفى، وعلى رأسهم، من اختارته الأحزاب التي نالت الأغلبية، رئيسا للحكومة المحلية، بكل شرعية انتخابية، إنه سيناريو جدير بالمتابعة، حقاً.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*