عائلة قادمون وقادرون ومغرب الهامش

المريزق المصطفى

ثمة اختلافات كثيرة في تعريف الفضاء العام الذي ننتمي إليه، لكننا نميل إلى الاحتفاظ بمسافتنا عن المركز دون أن نغيب عن التفاعل المركز والهادف معه.
فرغم مرور عقود من الزمن الغابر، لا زلت أتذكر كيف تم التعامل معنا بعد مغادرتنا السجن في بداية التسعينات من القرن الماضي، من طرف رفاق المركز، وسلطة المركز، و ما سببه لنا ذلك من حالة العزلة والارتباك، لم نتخلص منها إلا بمشقة الأنفس، من خلال ألاعتماد على النفس وإعادة بناء الذات.
فالمسافة بيننا وبين المركز كانت دائما ولا زالت حاضرة بيننا وتجثم فوق صدورنا، لكنها لم تهزم إرادتنا في الاستمرارية الكفاحية والنضالية والإنسانية على أكثر من صعيد. كما أن التقرب الجسدي أو الإيديولوجي أو السياسي، لم يكن في العديد من الحالات، بالنسبة لنا، سوى كذب وخدعة، تصدر عن أولئك الذين خلقهم الله للسلطة وللتحكم، وللقيادة السياسية والنقابية و الجمعوية الأبدية.

فكم من مرة كنا شهود عيان على الانتهاكات التي تعرضت لها الديمقراطية الاجتماعية، باسم الديمقراطية السياسية، وباسم الشرعية التاريخية، وباسم الأقدمية الحزبية، وباسم الشهادة الثقافية، وباسم القيمة الاعتبارية واسم التقرب من فلان أو فلانة! و لم تكن لدينا القوة للدفاع عن النفس، خوفا من اتهامنا بالتهم التي قتلت عشرات المناضلات والمناضلين الذين لم ينبطحوا لأي شكل أو نوع من المركز.
والمركز كان ولا زال له عقدة واحدة، هي الخوف من إضعاف شعبيته في الهامش. لأن قوة الهامش وخطره، تخيف الدولة، كما تضعف قدرة المنتخبين والسياسيين و المسئولين على الحياة المؤسساتية والأنشطة الحكومية، وسلطة رجال الأعمال والمال، وأصحاب المهن والمناصب العليا.
وإعلان الانتماء اليوم لعائلة قادمون وقادرون، هو الاعتراف بالصراع والتغير كعنصران أساسيان يعود بنا إلى طبيعة مجتمعنا، الذي لم يعترف أبدا بالهامش، وبثقافة الهامش وبدينامياته النوعية والصبورة والأصيلة.
نعم كل فعل أو نشاط يظهر نقيضه، وحركة قادمون وقادرون عائلة لعشرات الناشطات والنشطاء، تريد المساهمة في البناء المجتمعي من الهامش، من خلال بناء عوامل ذاتية وموضوعية، وتعتبر كل من لا يعترف بمجتمع الهامش، لا مستقبل ولا حياة له.
ولأن عائلة قادمون وقادرون تحاول أن تقوم على المعرفة الدقيقة بالواقع، و على نقد لكل ما يعوق قدرة الإدراك في تناوله لهذا الواقع، فإنها متشبثة بالأمل و بجوهر الصراع بينها كحركة ونقيضها الذي لا زال يتشبث بامتيازات المركز، وبايديولوجياته البالية، وبجماعاته و لوبياته، وبنظم تحميه من الانفجار، للتمادي في بسط نفوذه على الهامش.
إن عائلة قادمون وقادرون آمنت بمجال الحرية والديمقراطية، وبالعمل التطوعي والمشاركة المدنية، خارج نطاق بيروقراطيات الأحزاب والدولة. كما أنها تعتبر تشبثها بثقافة الهامش، جزء أساسي للديمقراطية التي ننشدها.
إننا نفتخر بانتمائنا إلى مناطقنا الأصلية والأصيلة التي ولدنا ونشأنا فيها سوية، كما نفتخر بالأقاليم التي احتضنت مداشرنا وقرانا، ونفتخر بالجهات التي جمعت مدننا في تراب واحد، ونفتخر بوطننا الذي يجمعنا داخل دولة واحدة موحدة.
أخيرا، وبمناسبة ذكرى اعتقالنا سنة 1988 صحبة العديد من المناضلين (من هم من قضي نحبه، و من هم من ينتظر)، وذكرى رجات حركات 20 فبراير، وبمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، نعتبر أن الوسيلة الفضلى لبناء مغرب المستقبل، هو الاعتراف الرسمي والعاجل بمغرب الهامش، وإجراء مصالحة اجتماعية حقيقية معه، وهو ما تطالب به عائلة حركة قادمون وقادرون.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*