بين المنزلتين وأدنى

بقلم: عبدالهادي بريويك

هرم الأسد بعد سنوات طوال من الشجاعة والقوة (وتالات به ليام) حتى أصبح كالجرثومة في الغابة وصار منتجعا أجربا يستهويه الذباب..فجاء الأجل المحتوم وصار من الدنيا مثل فص ملح وذاب..
– مات الأسد..فسألوه بعد الموت..أصحاب السؤال: فيما قضيت حياتك يا أسد؟
– فأنكر الجواب؟
– فقالوا له: نعلم أنك لم تك ترحم الفيل ولا الغراب، وكنت حاكما متعطشا للدماء والرقاب، ولكن أمهلك الموت قليلا كي نعد لك ما تستحقه من عقاب.
– تشاوروا حوله وقرروا أن يحولوه إلى قرد يتلاعب به الصغير والكبير ويعيدوه للحياة كي يستشعر ظلم الكبار واستهزاء الصغار.
عاد الأسد بصفة قرد مذعور للحياة، متوجس من كل شيء من حوله، وفي غابة، لا أشجار فيها قد ينط ويقفز ويطير بين أغصانها ويختبئ بين أوراقها ..مجرد أعشاب أرضية ونباتات .. ولا رائحة للموز فيها (وجري طوالك أبا الحاج القرد)…
استدار بعنقه الصغير مكتشفا مايوجد بالمكان لم يجد أحد غير أربعة أسود يبعدانه ببضع أمتار ولم ينتبهوا لوجوده..(فقال في قرارة نفسه : ياك الدم كحن وكجر؟؟) فقد يدركون أنني والدهم أو جدهم بالعاطفة وأحكي لهم الحكاية ويصدقونني فأحتمي بهم …أكيد أنهم لن يتركونني لظلم الكبار واستهزاء الصغار؟
فراح متجها صوبهم بمشية الأسود ويزأر في قرارة نفسه ويستجمع شجاعته ويرتب أفكاره..فما أن اقترب نحوهم حتى أحاطوه وجعلوه في الوسط صامتا.
ضحكت الأسود واستهزأت منه ونادى أسد على شبله الصغير بأن يلعب به قبل أن يكون وجبة غذاءهم..فاقترب الشبل وأخذ يلعب في مؤخرة القرد المذعور حتى صاح بأعلى زفاحه(بمعنى صوت القرد)… راني جدك أولد الق…….وراني جدك أولد الحرام..)…فحاول الهرب من جديد ..لكنه لم يستطع ..وبظهور مجموعة غزال تركته الأسود وراحت لأبهى الوجبات الغذائية خير من أكل قرد مسن ونثن..فلاذ بالفرار..
جاء الليل واختبأ القرد تحت صخرة مطلة على النهر..فظهر له أرنب على مقربة منه ..فاشتهاه بمعدة الأسد ولم تسعفه أنياب القرود..فبقي جائعا حتى أصبح مع مر الأيام مرغما لا بطلا حيوانا أكثر عشوبة من عاشب فسموه بآكل النوار..ومؤنس الثعالب ليلا في ليالي الأنس بالضرب على الطبل والرقص على المزمار..
يشتد به الحزن والألم يوما بعد يوم كلما جالس الحمام وعايش الغزلان والنعام ..فباطنه مفترس وظاهره ..ياسلام ..فقرر الانتحار..والهروب من هذا الامتحان..
قرر الارتماء في بركة التماسيح الباكية عيونها قد ترحم ضعفه وتحميه وتستوعبه لعالمها وتأويه أو تهلكه وإلى عالم الموت من جديد تعيده وتقذفه وترميه ..فما أن ارتمى حتى فتح عينيه على أصحاب السؤال :
– وهم يسألونه: لماذا عدت إلينا وقد منحناك حياة أخرى غير هذ الحياة؟
– فقال عشت الإهانة وتنكر لي القريب ولم يهابني الكبير وفي مؤخرتي تلاعب الصغار وأصبحت راقصا وطبالا فضعت بين المنزلتين، فعلمت الظلم وسياطه والضعف وهوانه والجوع وحرمانه، ذقت المذلة وفي أعين الجميع عشت كالمهزلة.
– فماذا تريد؟
– أريد أن أصبح كلبا صغيرا أعيش في بيوت الأغنياء آكل آكلهم وحينما أمرض أتماثل للشفاء على يد أطباءهم ، ولا أحرس حاجياتهم ولن أنام تحت الحر والقر ولن يمسني الجرب ولن يلسعني الذباب، فتلك الكلاب الصغيرة تحظى بكل حياة الاحترام وصدقوني لن أزأر حينما سأتألم فزمن الزئير أصبح في طي النسيان.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*