الانتخابات بين التصويت الإجباري وهاجس المقاطعة !

كعادتها في تمرير بعض مشاريع القوانين المثيرة للجدل التي تفتقد إلى إجماع حولها، غالبا ما لا تحتاج الحكومات المتعاقبة إلى الاحتكام لقواعد الديمقراطية، وتكتفي فقط بممارسة الضغط بمختلف الأساليب المتاحة أمامها، أو التواطؤ مع المنظمات النقابية والهيئات السياسية في الأغلبية والمعارضة الممثلة في البرلمان، أو التمهيد لذلك بإطلاق بالونات اختبار لجس نبض الشارع ومحاولة التأثير على الرأي العام وتكييفه مع تلك القوانين.

وفي هذا الصدد تسعى اليوم السلطات العمومية إلى الترويج الإعلامي لما يقوم به عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية ورجل “المهام الصعبة” من مشاورات مع كافة الأحزاب، وانكباب وزارته على إعداد مشروع قانون يقضي بإجبارية التصويت وفرض عقوبات على المواطنين المتخلفين عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

من هنا يتضح جليا أن تسريب هذا الخبر مهما حاولت الحكومة نفي صحته في شخص الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والناطق الرسمي باسمها مصطفى الخلفي في ندوته الصحفية ليوم الخميس 12 شتنبر 2019 مباشرة بعد نهاية اجتماع المجلس الحكومي الأسبوعي، يكشف عن مدى التخوف من إشكالية العزوف الانتخابي، الذي لم تجد الدولة من وصفة سحرية لمجابهته عدا جر المواطنين ضد إرادتهم نحو مكاتب التصويت، للرفع من نسبة المشاركة التي مافتئت تتراجع بشكل كارثي. فكيف للمواطنين وخاصة الشباب منهم الإقبال على التصويت في تشريعيات 2021 وما يليها من استحقاقات انتخابية، في ظل فقدانهم الثقة في العملية السياسية برمتها، جراء ما باتوا يشعرون به من يأس وإحباط، أمام تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والأمية والبطالة والمديونية وتفشي الفساد واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية والإجهاز على أهم المكتسبات، وعدم التزام الأحزاب ببرامجها الانتخابية وإخلال أمنائها بوعودهم في تحسين ظروف العيش، وإصلاح قطاعي التعليم والصحة وغيرهما من القطاعات الأخرى؟

وليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن نية التصويت الإجباري، فقد سبق لبعض الأحزاب قبل الانتخابات الجماعية والجهوية لعام 2015، أن اقترحت فكرة فرض ذعيرة بقيمة 500 درهم على كل مواطن يمتنع عن التصويت، رغبة منها في منح شرعية أكبر للمنتخبين وإفراز هيئات ذات وزن انتخابي، بيد أنها لم تجد لها الحماس اللازم والدعم الكافي. كما عرف البرلمان في ولايته السابقة نقاشا عن إقرار عقوبات زجرية في حق المتخلفين عن التصويت، للحد من تفاقم ظاهرة العزوف الانتخابي المؤرق، دون إحراز أي تقدم.

فالعودة من جديد إلى موضوع إجبارية التصويت لم يأت من فراغ، بل أملاه هاجس إشهار سلاح المقاطعة في وجه الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في عام 2021، لاسيما بعد تردد التهديدات بمقاطعتها على منصات التواصل الاجتماعي كلما تضاعفت الاحتجاجات واشتدت الأزمات… إذ مازال الجميع يستحضر بقوة حملة المقاطعة ضد الغلاء الفاحش، وما حققته من نجاح باهر فاق كل التوقعات، والتي كشفت عما وصلت إليه وسائل التواصل الحديثة من تطور وما أمست تمتلكه من قدرة خارقة على التعبئة وحشد الجماهير الشعبية ضد أي قضية من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسة وغيرها…

والانتخابات كما ينص عليها الفصل الثاني من الدستور، هي وسيلة لممارسة السيادة التي تعود للأمة، وتمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها في المؤسسات، بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم. فهي إذن ليست غاية في ذاتها، وإنما هي ما قد يتحقق بفضلها من ديمقراطية في الحكم وحكامة جيدة في الإدارة وشفافية في إبرام الصفقات وصرف المال العام وأمن واستقرار وتنمية اقتصادية ورخاء اجتماعي، مع ما يترتب على ذلك كله من ربط المسؤولية بالمحاسبة، تحت مراقبة قضاء عادل ومستقل. وينص الفصل الحادي عشر من الدستور على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، والسلطات العمومية ملزمة بالحياد إزاء المرشحين وعدم التمييز بينهم.

فلماذا تريد هذه السلطات انتهاك مقتضيات الدستور بإجبار المواطنين على التصويت في الانتخابات؟ وهل هناك من عرض سياسي جديد أو إشارات حقيقية وفعلية في اتجاه تلبية انتظاراتهم؟ ثم أين الأحزاب السياسية من دورها في استقطاب المواطنات والمواطنين وفق الفصل السابع من الدستور الذي أوكل إليها مسؤولية تأطيرهم، وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي التدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية، علما أنها تتقاضى مقابل ذلك دعما ماديا من أموال الشعب؟

والانتخابات بشكل عام لايمكنها أن تجرى في ظروف جيدة ما لم تتوفر لها شروط النجاح، ومن ضمنها حرية الاختيار والتعبير. فنحن وإن كنا ندعو إلى الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة الكثيفة في الانتخابات، لا نرى أن هناك ضرورة ملحة لإلزامية التصويت، ونرفض بشدة سن قانون لن يعمل سوى على تكريس الاستياء وتهديد الأمن والاستقرار، والرفع من عدد الأصوات الملغاة ونسبة المشاركة بدون جدوى.

إن علاج معضلة العزوف السياسي لا يستدعي إثارة الزوابع في الفناجين، بقدرما يتطلب تبديد الشعور بالقلق ورد الاعتبار للانتخابات، جعل المؤسسات المنتخبة تحظى بما يكفي من المصداقية والسلطة، إعادة الثقة للمواطنين الذين فقدوا الأمل في التغيير المأمول وانتقال ديمقراطي حقيقي، والنهوض بأوضاعهم المزرية بتخليق الحياة الوطنية وتطهير البلاد من مختلف مظاهر الفساد والريع والمحسوبية والتهميش والإقصاء، إنفاذ القانون في حق كل المفسدين وتوفير الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية للمواطنين…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*