عن أزمة الاتحاد الاشتراكي،و مطلب استقالة ادريس لشكر

نوفل البعمري
شخصيا منذ سنوات و أنا اتجنب الحديث عن أزمة الاتحاد الاشتراكي و وضعيته الداخلية لسبب اعتبرته أخلاقي، فمادمت قد ابتعدت عنه تنظيميا فلم يعد هناك معنى لأي تعليق عما يجري داخله احتراما للمسافة التي أخدتها منه و اخدها مني، مع ذلك بقيت متابعا للحزب و لتحركاته و لأزمته التنظيمية خاصة منها ما يتعلق بمسلسل المصالحة الذي لم يحقق النتائج المرجوة منه، بل يمكن القول أن هذا المسلسل قد فشل في تحقيق واحدة من أهدافه و ان زيارات المجاملة التي تمت لقيادة الحزب الحالية لبعض رموز الحزب التاريخية قد فشلت في أن تتحول أو تخلق أثرا تنظيميا و سياسيا لها، حيث بقيت في حدودها كزيارة مجاملة لا أقل و لا أكثر و لم يكن من الضروري أن تعطى لها أبعادا أخرى غير بعدها الإنساني لأن الجميع يعلم أن لا الأستاذ اليوسفي، و لا النقابي نوبير الأموي و لا جل الاسماء التي تم زيارتها سيكون لها دورا سياسيا في المرحلة المقبلة بإستثناء الأستاذ اليوسفي الذي قد يكون له دورا وطنيا فيما يتعلق بملف الصحراء،أو العلاقة مع الجزائر و بعض الملفات الدبلوماسية الأخرى،دون هذا الأمر لم يكن له و لباقي الأسماء أن تراهن عليها في لعب دورا تنظيميا أو سياسيا و كان رمزيا أن تظل في حدودها و بعدها الإنساني و المجاملاتي.

العديد من التحاليل كانت تربط أزمة الاتحاد برأس الحزب، أي بالكاتب الأول إدريس لشكر، قد يكون لهذا التحليل نوع من الصوابية و نوع من المصداقية لكن لا يمكن و نحن نحلل الحزب أو نتطلع جميعا ليكون له دورا مستقبليا في لعب أدواره في الدفاع عن المشروع الحداثي و الديموقراطي المجتمعي، أن نلخص أزمة الحزب في رأسه و في الكاتب الاول فقط،و أن نعتبر حلها مرهون برحيله و باستقالته فقط،اعتقد ان هذا التحليل و هذا الرأي يقزم أزمة الحزب و يعتبرها أزمة أشخاص فقط، و يرهنها فقط بإجراء يتعلق بتقديم استقالته، و هو تحليل يبسط أزمة الحزب و لا يقرءها بشكل صائب.
أزمة الإتحاد الاشتراكي أزمة بنيوية،أزمة تتعلق بعلاقته بمسلسل الانتقال الديموقراطي و مخارجه،بل يمكن القول أن جزء من التدبد الذي قد يشهده أو شهده هذا المسار انعكس و كان لزاما له أن ينعكس على الحزب الذي قاده، بالتالي جزء من سؤال و مآل الانتقال الديموقراطي ببلادنا هو من مآل الحزب الذي قاده، و فتح مختلف مساراته السياسية و الحقوقية و المؤسساتية، و أن انتهاء المسار الانتقالي و تتويجه لقوى محافظة تقود مؤسسات الدولة كان لا يمكن أن يكون دون المرور على إضعاف الاتحاد و هو إضعاف للحقيقة لم يبتدئ مع الكاتب الاول الحالي بل ابتدأ من انتخابات سنة 2007، و الشكل الذي دفع فيه الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي انذاك الأستاذ اليازغي محمد إلى تقديم استقالته و حالة الجذب التي عاشها المجتمع السياسي من خلال محاولات تونسة المغرب و مصرنتها،و لم يكن لننتقل لتلك المرحلة التي اصطدمت في النهاية بالشارع في 20 فبراير دون إضعاف القوى الديموقراطية التي كان لها تأثير داخل المجتمع، الذين راهنوا على هذا المسار اعتقدوا أن إضعاف الاتحاد و الاستقلال سيقوب البديل الذي اختاروه للمغرب سياسيا و حزبيا،لكن لم ينتبهوا أن إفراغ المجتمع من قواه الحية ستملؤه القوى المحافظة و ليست هذه القوى الوافدة على المشهد الوطني و الحزبي بشكل قسري و فوقي، و هو ما حصل خاصة مع انهيار مشروعها و عدم قدرته في مختلف الاستحقاقات التي عاشها المغرب بعد 2011 أن يتصدى للعدالة و التنمية بل تواجدها القوي مقابل ضعف القوى الديمقراطية التاريخية أخص بالذكر الاتحاد و الاستقلال، كان عامل مساعد على توسع قاعدة المحافظين، و تعزيز مكاسبها الانتخابية.
إن قراءة أزمة الإتحاد الاشتراكي بمعزل عن كل المسار السياسي الذي عاشه المغرب منذ سنة 2007، بالضبط انتخابات 2009 إلى الآن، ستكون قراءة تنتهي بمخارج إعادة تكرار الأزمة لأنها ليست أزمة أشخاص بل أزمة بنيوية،بنية الحياة الحزبية و السياسية و بنية المجتمع،هذه البنية الأخيرة التي تحتاج لإعادة تفكيك و قراءة بشكل علمي، يستلهم أدوات التحليل المستندة على التحليل الملموس للواقع الملموس، هذه القاعدة التي تحتاج لاستلامها من أجل قراءة أزمة المجتمع و علاقة الحزب به، ليست فقط الاتحاد بل اليسار ككل و معه حزب الاستقلال، هنا تطرح فكرة تصالح هذه القوى مع المجتمع، أن تعيد تحليل نفسها علاقة به و ببنياته المعقدة التي اخترقتها قوى متعددة،مالية و دينية و محافظة كلها تجر المجتمع نحو الماضوية بمشاريع محافظة تجد صداها داخل المجتمع بسبب اعتمادها على الخطاب الديني و الثقافي المحافظ.
أزمة الاتحاد ليست أزمة ادريس لشكر، و لا هي مرتبطة به و بشخصه،قد يكون ساهم في تعميقها بسبب حالة الصراع الذي عاشه الحزب مؤخرا لكنها أيضا أزمة تتعلق بعلاقته بالدولة و المجتمع،و بكل من دفع في إتجاه تحييده من الصراع و ضرب استقلالية قراره حتى من داخله و من الدوائر المقربة من مركز القيادة.
شخصيا مازلت محافظا على نفس مسافتي منه، لكن كان مهما التعليق على الأصوات التي تختزل خروج هذا الحزب من وضعيته فقط باستقالة كاتبه الأول، و نظرا لحاجة المجتمع و الدولة لأن تلعب القوى الوطنية دورها كاملا في الاستحقاقات المقبلة فهي و مشاريعها الوطنية وحدها القادرة على هزم مشروع العدالة و التنمية ديموقراطيا و انتخابيا، و الرهان على قوى مالية محافظة،لن تؤدي إلا إلى فوز آخر للعدالة و التنمية قد لا يكون بنفس القوة السابقة لكن لن يهزم ديموقراطيا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*