د،عبدالكبير بلاوشو يكتب: قارئة الفنجان في مجال التعليم العالي (2/1)

الدكتور عبدالكبير بلاوشو
كلية العلوم جامعة محمد الخامس الرباط

سؤالي إلى العارفة بقضايا التعليم العالي والعرافة بمآلات ومخرجات مؤسساته:
هل للكفاءة اعتبار وللديمقراطية اقتدار في صناعة القرار أم هو خيار الفرار من سخط أهل الدار سيدتي؟؟

إنه وجع السؤال أيتها العالمة والقارئة لما بداخل الفنجان, بل هو جوهر التساؤل حول الحال والبال والمآل عندما تنهار القيم والأعراف ويداس على النصوص والمساطر بالأقدام. الحكاية تبدأ بالإنتقاء المزاجي لأعضاء اللجن المكلفة بدراسة مشاريع المترشحين لرئاسة المؤسسات والمعاهد والجامعات حيث يغيب المعيار وتغييبه عنوان لبداية الإستهتار بمسلسل الإختيار مرورا بجدولة جلسات الإستئناس والإستماع لعروض المشاريع المقترحة تصميما وتقديما وتحليلا وبدون اعتبار أمام غياب آليات وضوابط متعارف عليها في قواعد التقييم بعيدا عن عيون المجتمع والجامعة وأهل الإختصاص انتهاءا بتزكية ثلاثة أسماء محظوظة يتم الاتفاق على ترتيبها سلفا تحت يافطة التدخلات السياسية ومراعاة الإنتماءات العائلية ومظلة الولاءات الوظيفية للأسياد في مواقع القرار؟؟ من هنا يبدأ الإصلاح إنها رسالة من تحت الماء لا تقرأ على سطحه بل تقتضي الغوص في أعماقه مع استدعاء بيداغوجية الفنجان لممارسة الفهم والقراءة من طرف الإنس والجان.
سؤال بمدلوله وأبعاده يضاهي حدة الطبيعة في تمردها على اختلال الموازين في الأنظمة البيئية والجواب عنه قد لا يتعدى برودة فصل الشتاء نحن من يتطلع في الجامعة إلى حلول ربيع ضاع طيف ألوانه أمام خريف عاصف تساقطت أوراقه إنها الأجواء المضطربة التي لا تنفع معها الدعوة إلى حالة الطوارئ الجامعية أو إلى بلورة خطة استعجالية إنما الحاجة أضحت ملحة إلى إجراء عمليات جراحية بدءا باستئصال الورم السرطاني المتفشي في الدماغ الذي أساء إلى عملية التفكير والتعبير والتقرير مرورا بمرحلة الإنعاش الفكري والنقاهة الأخلاقية وصولا إلى عملية التجميل المهاراتي وهذا يستوجب أيادي نظيفة و أنامل متخصصة من ذوي الكفاءة العلمية والفنية والجمالية في معالجة أورام المنظومات والأنساق والسياقات المرتبطة برئاسة الجامعات وبعمادة المؤسسات.
في هذا الزمان الذي قل ربيعه واشتدت عواصفه واشتعلت حرائقه نتذكر عندليبا أسمرا تغنى يوما ما بكامل الأوصاف فما أحوجنا من قلب العاصفة والإعصار لمن تكتمل أوصافه ليس من باب التغني بجمالية الصورة والمشهد في الجامعة وإدراج المهارات الناعمة في مسالك التنشيط والتمشيط لدرجة إذكاء الفتنة البيداغوجية ولكن هو البحث المستميت وبلا هوادة عن الإستقامة المفقودة في الإدارة وعن الجودة الموؤودة في الأداء ليستمر التحقيق في حجم المسؤوليات من خلال الوقوف عند مدى رجاحة العقل و جرأة القلب ونظافة الأيادي.
هذا قولنا من رحم واقعنا ومن منطلق عشقنا للجامعة التي نرفض أن تصبح مؤسسة عمومية قابلة للإفلاس والإغلاق وتسريح مستخدميها ومنشطيها وعرضها في المزاد العلني و السري كمنتوج يخضع لمقتضيات البيع والشراء ولمنطق العرض والطلب.
فعشقنا للجامعة لا نرتضيه إلا بالألف واللام على اعتبار أن الجامعة مؤسسة تتمتع بشخصية معنوية معرفة وليست شخصية نكرة من هنا يأتي التعامل معها احتراما لدورها و اعترافا بوظيفتها وتقديرا لتعريفها.

فالذي يطمح لرئاستها ولتسيير مؤسساتها لا ينبغي أن يكون جسدا نكرة وإنما كيانا معرفا بالألف واللام و هرما بثلاثة أضلاع قيمية أولها ضلع التحلي بالواقعية والموضوعية في التدبير وثانيها ضلع التخلي عن المحسوبية والإسقاطات الإيديولوجية في التسيير وآخرها ضلع التجلي في الواقع للديمقراطية و الشفافية والمشاركة الحقيقية.
من هنا فإن اعتبار الكفاءة والديمقراطية كما أتى في السؤال أعلاه ينبغي أن يكون حاضرا في كل المواقف والقرارات والإختيارات الإصلاحية لإنجاب مسؤول مقتدر واقف على قدميه شامخ الرأس يمتلك الإرادة والقدرة على الفكر والقول والفعل. فالتجربة أثبتث بالملموس أننا كنا أمام رؤساء إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وتحسبهم أيقاظا وهم رقود، وإذا قالوا فلا تسمع لقولهم.
فكما يقال التكرار من باب الإقرار نقول مرة أخرى و بصيغة مباشرة كيف يتم اختيار الرؤساء والعمداء والمدراء سيدي المعالي؟

ان مصائبنا تبدأ بكيفية انتقاء أعضاء اللجن المكلفة بدراسة مشاريع المرشحين والتي بناءا على نتائجها ترفع ثلاثة أسماء إلى السلطات العليا لتحديد المسؤولين الجدد، حيث تطرح علامات استفهام كثيرة حول استشارات على الهامش وتعليمات استباقية للتحكم في تركيبة اللجن وفي آليات إنتقاء أعضائها بما يتناسب والنتائج المحددة سلفا وفق مخرجات القراءة في الفنجان.

هكذا نجد أنفسنا أمام صناعة محبوكة لواقع جامعي يدار بنفس العقلية التقليدية التي أضحت متجاوزة بمعيار الكفاءة في التدبير الإداري والمالي وطالتها الشيخوخة الفكرية وانتهت صلاحية معارفها وهي التي تتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية في تأزيم الوضع وخرابه لدرجة بلورة خطط استعجالية لإنقاذه.
اللجن أعلاه في تركيبتها ينبغي أن تستجيب لمعايير الكفاءة العلمية وللتجربة والخبرة في مجال الدراسات والأبحاث وليس إلى التعاطف الحزبي والإنتماء الإيديولوجي مادام أن للمرشحين مشاريع يقال أنها لتطوير ولتنمية المؤسسات والجامعات وليس برامج سياسية لتأطير تنظيمات نقابية وأحزاب سياسية علما أن الذاكرة الجامعية لها تجربة سيئة مع الاستقطاب الإيديولوجي الذي طغى على حساب الوظائف الأكاديمية والثقافية والعلمية للجامعة. إن من سيئات الأعمال لدى الساسة من رجال الدولة أن ينتقل فهمهم للإستقطاب من مستواه القاعدي إلى مستوى القيادات والإدارات الجامعية حتى أصبحت بذالك جغرافية الجامعة والمؤسسات كمثيلاتها في تقسيم الدوائر الإنتخابية للجماعات فلا فرق في منظور أصحاب العقد والحل بين الجماعة والجامعة إنها إشكالية مواضع حروف الألف والميم وسؤال الأسبقية.

يتبع……

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*