الحكامة والأمية في ضوء المشاركة الديمقراطية للمجتمع المدني

الحكامة وأمية الدولة في ضوء المشاركة الديمقراطية للمجتمع المدني
عصام خربوش
باحث في مجالات الحكامة وعلم الاجتماع السياسي
تمكن المشاركة السياسية الشعوب من حكم نفسها ديمقراطيا عبر الاستفتاء الحر والانتخابات النزيهة، بوساطة هيئات ووفق قوانين تضمن تمثيلية مؤسساتية، تعكس إرادة المواطنين واختياراتهم الإيديولوجية والتنموية.
يتعلق الأمر باستشارة عامة وخاصة للحسم في محددات العمل السياسي والنظام الذي يخضع له على مستويات أخرى اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ثقافية…
وبهذا الخصوص، يرى الأستاذ عبد الله العروي “أن الدول الديمقراطية تمارس السياسة كثيرا وتتكلم عنها قليلا.

الحاصل عندنا هو العكس، لم يقع بعد الفطام الضروري من الغريزة إلى العقل، من الاتباع إلى الاستقلال، من التوكل إلى الهمة، من المبايعة الى المواطنة”.

ويعود السبب في نظر الأستاذ عبد الله العروي إلى الأمية، فهي تشوه صورة السياسة ولا تسمح بسيادة الظروف المناسبة للمضي في المشروع الوطني للحكامة.
منطلق كهذا وغيره يوحي بكون المشاركة الشعبية أثناء الاستحقاقات السياسية بالمغرب، لم تخضع لمنطق سليم في فترات شهدت أعلى معدلات الأمية وأقصى درجات التخلف، مما يدل على أنها لم تكن تجسد المدلول الديمقراطي الحقيقي.
ولا مراء أن واقع الأمية والضحالة المعرفية جعل تلك المحطات تبدو وكأنها مجرد تمارين على ممارسة التعاقد الاجتماعي، الذي يؤسس للديمقراطية ولنظام الحكامة.
لقد ظل المغاربة مع شبح الأمية، مجرد رعايا غير قادرين على تجاوز التكرار المتوالي لمواقف تمجد اختيارات السلطة، رغم أنهم مصدر شرعيتها.

وبالتالي فإن الأمم التي ظلت ترزح بين براثين الأمية وتخضع لتبعاتها، عجزت عن مراكمة تجارب تسمح لها بتشييد بناء مؤسساتي يشكل إطارا عاما لمشاركة فاعلة في تدبير شأن العام، مادام أنهم يطرحون مشكلة مجتمعية عويصة سببها الرئيسي أميتهم.
وبالربط بين من جهة التخلف المقترن بالأمية والنظام الدستوري والسياسي من جهة أخرى، يتبين بأن هذه الآفة، لاتزول بإتقان الكتابة والقراءة أو بحفظ مقولات عن الكون والإنسان والماضي.. بل عندما يستقل الإنسان بنفسه ويرى في جوهرها المادة التي تشيد النسق السياسي بكافة عناصره وما تضطلع به من وظائف.
إن اللعبة الديمقراطية ذاتها تنطوي على الكثير من الثغرات ونقط الغموض في مكوناتها، ويمكن أن تؤدي بسهولة إلى استبداد الأغلبية وهيمنة مصالحها مع إقصاء حقوق الأقليات، ولاسيما حينما يتعلق الأمر بتقنيات ومساطر وبنيات، أنتجها الغرب قبل استيرادها ثم استنباتها في محيط لا يتوفر على الوسائل والقدرات والمؤهلات، وحافل بالكثير من تجليات الجهل والجمود الفكري.
فالديمقراطية التشاركية تصور يحكم التوجه السياسي بالاستناد على مرتكزات أساسية يمكن إجمال أهمها فيما يلي :
– إقرار التعددية السياسية؛
– وضع المؤسسات والآليات القانونية والاجتماعية اللازمة؛
– ضمان مساهمة المواطنين في اتخاذ القرار؛
– احترام وصيانة الحريات العامة.
أما المزج بين الديمقراطية والحكامة، فهو يصمم هندسة شاملة ومتكاملة، وينتج فكرا وعلما وسياسة وتربية وثقافة، ويؤسس لسلوك صائب وإجراءات وقيم ومبادئ مضبوطة ومفيدة، أي أنها لبنات يسند بعضها البعض لقيام ذلك المعمار الهندسي، في حين يؤدي تجاهل إحداها أو بعضها إلى انهياره.

أما إتمام تشييده فهو يقتضي الوعي بشروط القدرة على الإنجاز، خاصة وأن الممارسات السياسية، ما فتئت تصب في الاتجاه المعاكس تحت وابل من الانتقادات التي تكشف العديد من أوجه الفساد.

فهل نحن راغبون ؟ وهل نحن جاهزون ؟ وهل نحن ديمقراطيون بالفعل ؟
في لحظات تاريخية من حياة الشعوب العربية، انفجرت الأوضاع داخليا وسادت حالة من الترقب والتعاطي مع مواقف صارمة من المواطنين اتجاه الحكام. إن الذي حدث في العالم العربي عام 2011، هو مظهر من مظاهر تسلط الأنظمة السياسية على شعوبها.

دول عنيفة مكشرة عن أنيابها، أعلنت الحرب على المجتمع، فدمرت المباني والمنشآت، وقتلت الساكنة وهجرتها.

لقد بات مستقبل هذه الشعوب غامضا.. فصانعوا استراتيجيه اللعبة حققوا إنجازات كبيرة في القطر العربي، وجعلوا بالتالي من الدولة وحشا أو تنينا حسب تعبير “هوبز”.
وأين نحن في المغرب كمثقفين وأطر ومجتمع مدني من كل ما حدث أو سيحدث، ولاسيما الأميين. هل نحن جزء من اللعبة، نتحرك ونتماهى بمبادرات وارتدادات عفوية أو مدروسة حسب ظروف ومعطيات دولية وإقليمية قد تقودنا نحو المجهول.
الأمية على هذا النحو نقطة سوداء في صفوف المواطنين، فهل يستفيد المغاربة من أمية الملايين منهم، كما يمكن أن تستفيد الدول العظمى من أمية شعوب دول قائمة ومن تخلفها، لكي تستغلها في إطار صراعها على المصالح ومراكز النفوذ الدولي.
بعض الدول العربية حافظت على الاستقرار النسبي رغم حالات الاحتجاج والحراك، وكما هو معلوم فإن حكوماتها أخفقت في حل المعضلات الاجتماعية، مع تدبير تقني سيء للشأن العام وممارسات إدارية جائرة.

هذا حال المغرب الذي يتدرج فيه الانتقال الديمقراطي ببطء شديد. لكن مع ذلك يشكل هذا البلد الاستثناء العربي من حيث التشبث بالاسقرار وحل المشاكل بالحوار والطرق الودية.
لقد استطاع الخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011، أن يؤسس لتعديل دستوري جديد بالمغرب أجري بتاريخ فاتح يوليوز من نفس السنة، كان بمثابة خطوة استباقية للتظاهرة المليونية التي تم الترويج لها قبل يوم 20 مارس 2011، بعد الاحتجاجات التي عاشتها مدن متفرقة من أنحاء المغرب. ليعكس الإصلاح في النهاية موازين القوى لصالح المؤسسة الملكية بدعم شعبي لسقف التجاوب مع المطالب.
لكن التعامل مع أية تجربة إصلاحية في هذا الباب، من خلال الاقتصار على الصبغة الجافة في الارتقاء بالأسس والجوانب القانونية والمؤسساتية كيفما كان أفقها الديمقراطي، دون الالتفات إلى العوامل السوسيولوجية المؤثرة في مدخلات ومخرجات النسق السياسي، بالشكل الذي يحد من تعاظم التخلف ويضمن المشاركة الشعبية السليمة، هو مخاض يجعل أمية الدولة المتعمدة تحاصر الحكامة في تدبير الشأن العام، وتحول التنمية إلى مجرد هواجس وأحلام مزيفة تحيط بها الكثير من المخاطر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*