الطريق الرابع في زمن كورونا فيروس

المريزق المصطفى

لقد أبان وباء كرونا فيروس وفي زمن وجيز، عن بروز سلوكيات اجتماعية جديدة لا يمكن حصرها في كيفية استعمال الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي، والعودة إلى العالم الداخلي الفردي والعائلي، واحتلال الفضاء العام من طرف مؤسسات الدولة، وإخلاء الإدارات من الموظفين، والمصانع من العمال، والشوارع من المارة، والملاعب من الرياضيين، والمسارح من الفنانين ودور السينما والأفراح من عشاقها، والمقاهي والحانات من زبنائها…ولا يمكن ربطها ميكانيكيا بقيم اجتماعية وسياسية ودينية ثابتة.
ما نعيشه اليوم بسبب ” الكوررونا”، يضع الجميع (حكاما، نخبا، و أطرا ، رجال أعمال، سياسيين، و عسكريين و مدنيين ومواطنات ومواطنين) أمام العديد من الخيارات الطبية والعلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لتحدي ومواجهة الموت الجماعي، ليؤسس لقيم مشتركة جديدة، ولثقافة حضرية أخلاقية سينمحي فيها دور “العظيم” و”القوي” و”البطل” و”المتنمر” و”الذكي”..وستنمحي الكثافة الفيزيقية المرتفعة، والتجمعات السكنية الكثيفة، والشبكات الإثنية والعائلية في المدن، حفاظا على الأمن الصحي والغذائي والاجتماعي، و حفاظا على التوازن الاجتماعي.
لقد أبانت ” الكرونا” عن زوايا متعددة لواقع المدن والأحياء الحضرية، في المغرب وفي مدن العالم. وشاهد العالم أوجه الاختلاف بين القيم الحضرية بين المدن والأحياء وبين المراكز والهوامش، كما أظهرت “الكرونا” للعالم أهمية البنيات الأساسية المرتبطة بالتعليم والصحة والسكن والشغل، ودورها في الحفاظ على السلم الاجتماعي.
ويوم تبنى الطريق الرابع هذه الرؤية في مهدها، لم يكن هناك أدنى حديث عن كورونا فيروس. حيث انطلق ( الطريق الرابع) من مؤشرات علمية، تعتبر فيروس الفقر من أخطر الفيروسات الذي أصاب أغلب الطبقات المتوسطة وليس الطبقات الكادحة والفقيرة وحدها. وهو ما عمق الجهل والتخلف والفشل والاتكالية لدى الجميع، حتى باتت الانتهازية والمحسوبية والزبونية والذاتية والانانية، هي العملة السائدة في سوق القيم الاجتماعية. وزادت العديد من وسائل الاتصال والتواصل المراهقة والفتاكة انتشارا، في صفوف الشعب من دون حسيب ولا رقيب.
ومن ناحية أخرى، وأمام هذه الكارثة الانسانية التي يعيشها العالم، لا بد من البحث عن وعي جديد، يمكننا من تجاوز وهم الحداثة وما بعدها، وتجاوز احتكار المنتوجات والمقاولات و والاستهلاك النقدي والمرافق الاقتصادية الأخرى، التي أبانت عن عجزها التام على تجاوز الاختلالات في البنيات الأساسية للإنسان، وعلى ضعفها أمام غضب الطبيعة، وأمام الأمراض والأوبئة والفقر و الهشاشة والاستبعاد الاجتماعي.
ومن بين الدروس التي يمكن استخلاصها الآن في انتظار التفكير فيها بعمق، نستحضر أهمية العيش المشترك كضرورة اجتماعية وانسانية، باعتباره مقياس للكائن الحضري وللفاعلين العموميين والصحافة، كما نستحضر أهمية المجال التربوي و الثقافي والحضري لمواجهة جحافل السكن العفوي والعشوائي الذي تكاثر لأسباب انتخابية وسياسوية بسرعة، إلى جانب أحياء نموذجية أو شبه نموذجية، وأحيانا قرب المطارات والطريق السيار .
وفي انتظار الحديث عن هذه السلوكيات كظواهر اجتماعية، وأمام تزايد الفئات المهمشة التي لا يقع استغلالها، بل يقع اقصاؤها من التنمية ومن العدالة ومن الحماية الاجتماعية، لا بد من الانتباه إلى وجود فئات واسعة من الشعب، لا شغل لها ولا مورد لها، ولا بد من الدعوة لإنتاج وصناعة سياسة اجتماعية، تقودها قوى جديدة، متشبعة بالتغيير الاجتماعي، وواعية كل الوعي بخطورة التفاوتات الاجتماعية، التي زادت كورونا فيروس من تفاقمها.
اليوم كل شيء يتغير من حولنا، وربما نحن اليوم أمام متغيرات جديدة قد تزعزع أركان العديد من ركائز النظام العالمي الحالي، وهو ما يجعلنا كمغاربة أمام امتحان عسير وخطير، وأمام اختبار تاريخي، يستدعي منا الشعور بالمسؤولية والتحلي بالعقلانية.
لقد اعتبر الطريق الرابع منذ ولادته، أن الإيمان بدين المواطنة، هو الطريق الأنسب لتحقيق التضامن، وأن الاستثمار في مجال البحث العلمي هو الطريق المثالي لميلاد ” المغربي الجديد” New moroccan في أحضان مغرب المستقبل.
فكلنا الآن في عزلة، وفي حالة حجر صحي، في وضعية قلق وخوف، نتابع الأخبار على مدار الساعة من بيوتنا، ونترقب ما ستسفر عنه صراعات النفوذ والهيمنة. نتذوق مرارة البروباغندا الدعائية، ونتألم لما يلحق بالانسانية من ضرر صحي و مادي ونفسي. نسأل بعضنا البعض عن قساوة الحياة اليومية الجديدة، ونتطلع لحياة جديدة، ولمغرب جديد، بطعم قيم الحرية و الشفافية والمشاركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وهو ما بدأت ملامحه تظهر في الأفق…في انتظار ظهور قوى جديدة فاعلة في التغيير.
المريزق المصطفى

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*