د، ابراهيم اغلان يكتب: الرجوع إلى المستقبل.. تأملات في زمن كورونا بالمغرب

الرجوع إلى المستقبل
تأملات في زمن كورونا بالمغر

د، ابراهيم اغلان

يعيش المغرب اليوم، مثله مثل باقي دول العالم، مرحلة حرجة من تاريخه، استطاع تدبيرها، بكل ما أوتي، بالرغم من المعيقات الذاتية  والموضوعية…
اسبوعان، من مواجهة خطر وباء كورونا 19، ولا يزال الصراع معه قائما، في انتظار التخفيف من حدته أو القضاء عليه.
تمكنت الدولة خلال هذه المدة الزمنية القصيرة نسبيا، وقبلها بقليل، من اتخاذ جملة إجراءات احترازية واستباقية وضرورية للحد من انتشار الوباء. وهي إجراءات، وإن كانت تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية خطيرة، فانها مع ذلك، كانت في مستوى طبيعة الحدث.

(1)
الدولة والدين: خيار تاريخي وصراع خفي

إختار المغرب، منذ قرون، دينه وطرق تدينه، وكانت العلاقة بين الدولة والدين، دوما علاقة محبة وفتنة، وبينهما تتوقف بوصلة المعرفة، ويتهمش الاجتهاد، لصالح الخرافة والدجل والارتماء في أحضان التدين القادم من الشرق….
للتاريخ لحظاته المعبرة عن عمق هذه العلاقة الملتبسة… وللذاكرة صورها الفاضحة لكل تجار الدين والدولة على حد سواء…
وللجغرافية أيضآ شروطها وانفلاتاتها، بفعل الموقع والموضع والمرجع.

لا سبيل اليوم، لاجترار تاريخ مكبل بذهنيات وممارسات، اتفقت كل من الدولة والدين على محاصرتها، بل لصنعها، وتمديد صلاحيتها إلى” أن يرث الله الأرض ومن عليها”..
اليوم، غير الامس، هي حالة الزمن حين يعلن القطيعة، ويكشف عنفه، ويصالح ذاته… هكذا حال زمن الدولة.

إنها القادرة، بكل الوسائل الممكنة، رمزيا وواقعيا، على ضبط إيقاع البلاد، هي “مولاتو” أصلا، بل للانضباط لقوانين الدولة الحديثة، التي لا بد منها في مثل هذه اللحظات الصعبة.
منذ بداية ظهور هذا الوباء في المغرب الى اليوم، عملت الدولة ما يمكن عمله، فرضت قرارات حاسمة ومسؤولة.

واعلن ملك البلاد عن تأسيس صندوق خاص لمواجهة هذا الوباء وتداعياته، ساهم فيه شخصيا، ليمتد هذا الفعل التضامني الى رجال أعمال ومؤسسات حكومية وخاصة، ليشمل مختلف افراد المجتمع.

إنه اجراء تضامني، يحمل في طياته الكثير من الدلالات والإشارات، سيدرك جاحد قيمته في المستقبل القريب…
في ظل هذه الإجراءات الاحترازية والعملية، ستظهر الى الوجود عقليات وممارسات قادمة من التاريخ، اي من تلك العلاقة الملتبسة بين الدولة والدين، لتقرر بدورها اجراءا خاصا بها، في تحد صارخ وسافر ضد الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والمدنية..
هكذا خرج البعض في مدن ثلاث : طنجة، فاس وسلا، للتهليل والتكبير في مشهد سوريالي، ضدا على البلاد ونشيدها الوطني.

ان المتأمل لهذا الفعل، الذي ستكشف الايام المقبلة عن مهندسيه، حقيقيبن وافتراضيين، سيجد ان اختيار هذه المدن لاعلان الخروج عن طاعة اولي الأمر، له ما يبرره على الاقل في مجال تاريخ العقليات.

انها مدن، باختلاف الجغرافية، ذات تاريخ مثقل بعقليات محافظة، وراهن معقد، يسوده الاقصاء والتهميش وسوء الحكامة والهشاشة، مما جعل هذه المدن تلفظ سلوكات متطرفة هنا وهناك…

(2)
الدولة والمجتمع: تعاون وتضامن ام تهاون..

اذا كانت الدولة، باجهزتها والياتها، قد تمكنت، بعد مرور أسبوعين من ظهور هذه الكارثة الوبائية، من أداء مهامها المنوطة بها، بالرغم من كل ما قد يقع من انزلاقات في التقدير والتنفيذ، فانها (اي الدولة) مع ذلك، ظلت يقظة وحازمة في التعامل والتواصل مع المجتمع، والذي كشفت لنا اليوم هشاشة جزء منه، وصلابة جزئه الآخر…
هكذا سيتعاون البعض مع السلطات المحلية، كما سيتهاون البعض الآخر، إنها لعبة القط والفار، التي دابنا عليها منذ لحظة الاستقلال الى اليوم…
صحيح ان المجتمع، في كثير من تجلياته، ظل وفيا لروحه الوطنية، وواعيا بضرورة الإلتزام بالقوانين، والانسجام مع المعطيات الطارئة. وصحيح ايضا، ان آراء وافكار المجتمع، والتي عبرت عنها، باختلاف الفئات والمستويات، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهي في مجملها إيجابية وتفاعلية، ولاول مرة في تاريخ الازمات بالمغرب الراهن، يلاحظ هذا الدعم الايجابي والرمزي للدولة من قبل افراد المجتمع عبر رسائل او صور أو فيديوهات، ابطالها رجال سلطة محلية، في مواقف وحالات، تعكس في النهاية جهل المواطن او تعنته في الانضباط بأوامر الدولة وقراراتها.

(3)
الدولة والمستقبل: خيار لا بد منه..

التجربة التي مرت، على محدودية ايامها، تؤشر على اهمية قطاعات اجتماعية وتربوية أساسية، هي من أولويات الدولة، والتي يبدو ان هذه الأخيرة فشلت فشلا ذريعا في تدبيرها، وبخاصة قطاعي التعليم والصحة… مما سهل للوبيات القطاع الخاص من استغلال بشع، في كثير من الأحيان ، للمواطنين الذي يفترض في الدولة حمايتهم وتقنين اختياراتهم وفق المنطق الليبرالي الذي نهجته.
الرجوع الى المستقبل،هو تفكير في تجاوز الاخطاء القاتلة في حق قطاعات، اظهرت اليوم امام العالم، باختلاف مذاهبه، اهميتها الاستراتيجية.
نحن اليوم، في بداية فعلية لانتشار الوباء، سيحدث لا شك، بعد نهايته، شروخا كبيرة في بنية الدولة والمجتمع معا.
علينا جميعا، تجاوز كل ما من شأنه عرقلة المسار الديمقراطي ببلادنا، مسار شاق وطويل، مليء باسئلة حارقة، غير قابلة للتصنيف او التحريف، اسئلة تمس العقل والنقل، السياسة والممارسة، الوعي واللاوعي…
علينا جميعا، تحمل المسؤولية في ما نجنيه اليوم وغدا…
الرجوع الى المستقبل، هو رجوع الى العقل والعلم والمعرفة والأمل ، اما الجهل والخرافة والتمييع واليأس.، فقد حان الوقت للقطع مع كل اشكال ترويجها واشاعتها بالطرق والوسائل التي يعرفها الجميع، حيث ساهم كل واحد منا بقسط لا بأس به في ما وصلنا إليه اليوم.
انها تأملات عابرة للحظة مفصلية من تاريخنا الراهن.

ابراهيم اغلان
الرباط 31 مارس 2020

.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*