المريزق يكتب: النقابات التي نريد…

النقابات التي نريد…
المريزق المصطفى

لن نتطرق في عمودنا هذا لنشأة ومراحل تطور النقابة في أوروبا ولا في المغرب.

نريد فقط أن نستهل موضوع اليوم، بالحديث عن جزء مهم من التراث التضامني الاجتماعي والإنساني، العمالي، و الذي ساد لفترة طويلة من الزمن في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، قبل ظهور التنظيم النقابي في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 في شكل تنظيمات عمالية عابرة للحدود لحماية الطبقة العاملة. حيث شكل مبدأ التضامن المهني منطلقا أساسيا لبناء الاتحادات المهنية والجمعيات و التعاونيات، للانتصار على البؤس والأوبئة والمرض والفقر والاجرام، في وقت لم يكن فيه لا ضمان اجتماعي ولا تعويضات للمتضررين، ولا حماية من استغلال واضطهاد اليد العاملة من طرف الرأسمالية الصاعدة، التي كانت تشق طريقها بعنف ومن دون رحمة ولا شفقة.

ومنذ 1945، شهد العالم ميلاد أول اتحاد نقابي عالمي جمع كل نقابات العالم، أطلق عليه إسم “اتحاد النقابات العالمي”. كان ذلك بعاصمة الأنوار، باريس- بدعم من الكتلة الاشتراكية…

وكما نعلم جميعا، واجهت النقابات، منذ وجودها، كل أصناف العقبات وخاضت صراعات مريرة وطويلة، قبل أن تنال العديد من الحقوق الأساسية التي نصت عليها وأكدتها القوانين والتشريعات الدولية.

أما المغاربة، فكان انخراطهم في النقابات مبكرا، وسمح لهم ظهير 12 شتنبر 1955، بعد صراع مرير، بالانتماء النقابي، والذي سينظم فيما بعد بمقتضى ظهير 16 يوليوز 1957.

واليوم، نحن أمام تاريخ عريق للتجربة النقابية المغربية، وأمام تنظيمات عمالية ومهنية تمتع بالحقوق الأساسية التي نصت عليها كل دساتير المملكة منذ 1962، ويمنحها الدستور الحالي، إلى جانب الأحزاب السياسية والمجالس الجماعية والغرف المهنية، حق وواجب تنظيم المواطنين وتمثيلهم، والدفاع عن مصالحهم ومطالبهم وحقوقهم، ووضع اقتراحات وحلول بشأنها، وعرضها على الجهات المختصة لحلها، وإعداد ملفات مطابقة تستجيب لحاجيات المنخرطين وللمصلحة العامة. ويعتبر الحوار، الأسلوب الأمثل لفض النزاعات بين الفرقاء الاجتماعيين، وأداة لتسوية المنازعات الاجتماعية وفقا للقانون، وتماشيا مع التشريعات المغربية ومؤسسات الحوار.

ونحن نفتح هذه الاطلالة على مكون أساسي من مكونات التنظيمات المغربية وأدوارها الاجتماعية، لا بد من الدعوة لفتح نقاش عمومي حول الدور الكبير الذي لعبته النقابات في سيرورة التطور الاجتماعي، نظرا لندرة وقلة الدراسات والأبحاث التي من المفروض أن تتناول التنظيمات النقابية بكل موضوعية من داخلها ومن خارجها، ولا بد من تحرير النقابات من الخوف من هذه الدراسات، التي يجب النظر إليها من منظور التقييم والتقويم، والكشف عن اختلالاتها، وضعف أدائها، وعدم توازنها، وعجزها على فهم محيطها وتنظيمها.

إن لتاريخ العمل النقابي المغربي قيمة علمية كبيرة، آن الأوان للاستثمار فيها، نظرا للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي بات يشهدها المجتمع المغربي والعالم بشكل عام؛ ونظرا للضغوط التي يفرضها الواقع اليومي على الأجهزة وعلى القيادات، وما سببه ذلك من بقرطة في التنظيم، وفي التواصل وفي التمثيلية؛ وما أنتجته من نخبة بيروقراطية، ساهمت بشكل كبير في إضعاف المشاركة الفعلية، وضرب الانسجام والتكامل بين الهيئات العمالية وفعالية التنظيم، وإشراك الأغلبية في في عملية اتخاذ القرارات.

إن المغرب مقبل على تحديات كبرى، وأمامه العديد من الخيارات التي يجب أن ينخرط فيها، لضمان الكرامة لشعبه، وللمغربي البسيط الذي يشكل القاعدة الواسعة للمجتمع وللديموغرافيا. فعلى النقابات اليوم أن تختار طريق اكتساب المعرفة اللازمة للحفاظ على وجودها، والوعي بمهامها، واستجابتها لمعايير التسيير الديمقراطي لهياكلها، وعدم تحويل إدارتها النقابية إلى موظفين متخصصين في مهام ووظائف احتلال المراكز والاستقرار فيها، للنهوض بالعمل النقابي كرافد من روافد البناء الديمقراطي، والانتقال إلى المساهمة في تشييد أسس مغرب المستقبل، بعيدا عن النزعة العدائية تجاه الحركات الاجتماعية الجديدة، التي اكتسبت شرعية وجودها، من انخراطها الفعلي والميداني في المعارك النضالية ضد التهميش والإقصاء الذي تتعرض له غالبية المغاربة، وخاصة مغاربة المغرب القروي وسكان الجبل والواحات والسهوب.

إن الجميع يشعر اليوم بالهوة بين القاعدة العمالية وقيادتها، نتيجة غياب المشاركة الفعلية للأغلبية في عملية اتخاذ القرارات الحاسمة بالإضافة إلى حجر المعلومة، وتحويل المنخرطين والفاعلين إلى مجرد “حملة بطاقات”، لتبقى الديمقراطية مجرد شعار توحي به السلوكيات الظاهرية والطقوس الاحتفالية.

إن المستقبل سيشهد العديد من التغيرات التي ستحدث ثورة في مفهوم العمل، كما ستؤدي التحولات الاقتصادية والاجتماغية الحالية لغلق مئات المصانع والمنشآت التجارية والمؤسسات المالية، وسيتم تسريح آلاف العمال والمستخدمين، وستصبح النقابات من دون قواعد، وعاجزة على مواجهة هذه التحديات التي تفرضها المرحلة.

وفي الختام، إن التغيير المنشود يجب أن يشارك فيه العموم بالخلق والابداع، بعيدا عن التصورات الحتمية الحزبية والنقابية والمؤسساتية.. وذلك من أجل التأسيس لرؤية جديدة، يكون فيها ” المشترك” هو المقياس الديمقراطي والحداثي والحضاري لوجودنا الاجتماعي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*