المريزق المصطفى: إننا اليوم أمام فشل نموذج ليبرالي عالمي، وعجز شيوعي- إشتراكي، ورفض قاطع للنازية والفاشية والصهيونية؛ وأمام البحث عن بديل جديد

الطريق الرابع و الحرية..
المريزق المصطفى

في ظل ظروف وأجواء الحجر الصحي وحالة الطوارئ، تطرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت بعض الأنظمة تستغل أزمة فيروس كورونا لتصفية حسابات اقتصادية أو سياسية، أو هما معا، أو تستغل الوضع للمزيد من تضييق الخناق على الحريات الخاصة والعامة، وعلى حقوق الأقليات، وعلى الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وانتعاش الرقابة، وتقييد التحركات، ومراقبة الحدود، وتطوير آليات جديدة للتجسس والتتبع…إلخ، بحجة الأمن الصحي والسلامة العامة!

ونحن نتابع ما يكتب وما ينشر حول هذا الموضوع، اخترنا النظر إليه من زاوية أخرى..زاوية الحديث عن الحرية، وما تحتوي عليه من غايات مفيدة، ومن قيم إجتماعية وإنسانية، مؤثرة في الواقع ومتأثرة به، باعتبارها جزء من الحضارة البشرية التي ارتبط تطورها بحرية الانسان.

وبالعودة إلى الماضي، يمكننا أن نجد عناصر متناقضة و متعددة لتفسير ” الحرية”، ويمكننا الاطلاع على قصص وروايات كثيرة، وعلى دراسات وأبحاث غزيرة ومفيدة، تعاملت معها (مع الحرية) كمفهوم، وربطتها بالملكية الذاتية أحيانا، والمواثيق والحقوق الدولية، وبالديمقراطية وحقوق الانسان، وعدم التمييز، من حيث رأس المال الاجتماعي والثقافي..أحيانا أخرى.

وبينما يتسابق العالم لاحتواء جائحة كورونا للحد من الضحايا والمصابين، يجد البعض في وسائل التواصل الاجتماعي ” حريته” للتشكيك في كل شيئ، وللتشهير بحياة الناس وأعراضهم، وللسب والشتم وتحريف الأخبار والصور والوقائع.

وإذا كانت الحرية- كما هو متعارف عليها إلى حدود الآن- تعني التحرر من القيود المادية والمعنوية التي تكبل طاقات الإنسان وإنتاجه، وتعني الحرية في الاختيار بين الخيارات المختلفة، والخروج من الدوائر المغلقة، لننشئ قواعد جديدة حرة للعمل والتفكير، فإن هذا التحول المفاجئ والسريع ل” الحرية” بسبب فيروس كورونا، أصبح مصدر خوف وقلق جماعي، وقد يكون الخوف كذلك من تابعات الضبط والمراقبة والحجر، تخوفا مشروعا. لكن، وبالنظر لما يحدث الآن في العالم، من اتهامات بين الدول، ومن منافسة بين وسائل الإعلام والتواصل على نشر المعلومة وبيعها، والتحكم فيها، وبين ما يحصل من صراعات بين الشركات العالمية المنتجة للأدوية وآليات المراقبة الصحية والطبية، وبين ما تعرفه الأسواق المختلفة من مضاربات وتنافسية، وبين ما تشهده الدول العظمى من حروب خفية…إلخ، قد يكون فيروس كورونا قد قدم لنا خدمة جليلة، لإعادة ترتيب أفكارنا وأولوياتنا، ورؤيتنا لأنفسنا ولمن يشاركوننا في العلاقات الاجتماعية.

طبعا، قد يتحول هذا “القفص الذهبي” من الحرية، إلى جحيم، عبر استخدام التطبيقات الذكية المختلفة، للولوج إلى الحياة الخاصة للناس، وتحديد مواقع تواجدهم، والتحكم في تحركاتهم.

وربما ستزيد الأوضاع خطورة حسب ما يروج من أخبار حول إمكانية لجوء العديد من الشركات…لصناعة مواقع جديدة لتتبع حركة جميع مستخدمي الهواتف الذكية…” حفاظا” على الأمن الصحي!

فكيف نفسر اليوم هذا الميل لوضع كل شيئ على ظهر الأمن الصحي؟

لقد فرض الإنسان على نفسه في العديد من الأحيان، ولعقود طويلة من الزمن، الحرية كمصدر للتفسير وموضوع للتدخل. واجتهد في صناعة الأنظمة الليبرالية باسم الحرية. ومارس فظاعة انتهاكات حقوق الإنسان ونسبها للشيوعية باسم الحرية. و فتك أرواح هيروشيما وناجازاكي لدفع اليابان للاستسلام بنفس المنطق. كما تشكلت النازية باسم الاشتراكية، والفاشية باسم الدولة الوطنية….إلخ، ناهيك عن إبادة شعوب بكاملها، ومحاصرة أخرى..

وما يقع اليوم، يجب أن نفكر فيه من منطلق الحرية التي نريد! لقد ظهرت كاميرات المراقبة في الأماكن العمومية، وأصبحت الأجهزة النظامية تراقب بيانات الهواتف الذكية وسجلات الشراء عبر بطائق الإئتمان، وأصبح بالإمكان تحديد مواطن الإرهاب والارهابيين، و تحديد الأشخاص الذين لا يطيعون الانضباط للحجر الصحي ولحالة الطوارئ…

إننا اليوم أمام فشل نموذج ليبرالي عالمي، وعجز شيوعي- إشتراكي، ورفض قاطع للنازية والفاشية والصهيونية؛ وأمام البحث عن بديل جديد، يعترف بالليبرالية كفلسفة سياسية تأسست على أفكار الحرية والمساواة، وبالاشتراكية كمذهب سياسي واقتصادي جاء للحد من انتشار وتوسع نمط الرأسمالية واستغلال الانسان، لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الرفاهية للجميع.

فالمشكلة اليوم تتجاوز الحديث عن الحرية من دون اجتهاد في البحث عن إمكانية إعادة توزيع الثروة الجماعية، وتوجيه نضالنا نحو الهوية المواطنة، وتحقيق الثورة الثقافية بالعلم والمعرفة والتربية والتكوين والبحث العلمي.

كما يعيدنا هذا الجدل إلى الحديث عن تحقيق الكرامة و تحسين الظروف المعيشية للإنسان، الذي يوجد اليوم على قارعة الطريق، في وضعية هشة، قد يدمر حياته فيروس كورونا وكل الفيروسات الصحية والاجتماعية.

كم يلزمنا هذا النقاش بالحديث عن مظاهر استبعاد الإنسان من الوصول إلى الموارد التي تستحوذ عليها أقلية قليلة من المجتمع. يسائلنا كذلك موضوع الحرية، للتفكير بعقلانية في تطوير مشاعر المجتمع وديناميكياته الجماعية، والفردية، والهوياتية، لبناء نموذج اجتماعي ل” العيش المشترك”. لأن استغلال الإنسان عن طريق العمل المأجور يسلب الحرية، وأن تاريخ الصراعات منذ العصور الوسطى، كانت من أجل إنشاء مساحات وقوانين تجعل من الممكن إنتاج حياة اقتصادية واجتماعية، خالية من الحرمان والعبودية والتعسف والسلطوية.

ويبقى في نهاية المطاف المجتمع مساحة للتفاوض بين الحريات الفردية والجماعية، وستظل قراءة التاريخ شرط أساسي لتحررنا، وسيبقى اهتمامنا ب ” المواطن العادي” ضرورة قصوى لإشراكه في ” قوانين التنمية الاجتماعية” لكي يسترجع ثقته في نفسه وفي الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والاقتصاديين.

كما نتطلع، إلى مرحلة ما بعد جائحة كورونا، تسود فيها مساحات جديدة للحرية، تكون من صميم العلاقات الاجتماعية المتكافئة، جسدا وروحا، وتتحول فيها العلاقة بين الرجل والمرأة إلى علاقة مبنية على المساواة والتكامل، ونسترجع جميعا ” الملكية الذاتية” بالمعنى الجماعي للكلمة. إنها مرحلة تحقيق الحرية في الاختيار كنتيجة لعيشنا معا…انطلاقا من رؤية جديدة للعالم.. وهذا هو الطريق الرابع الذي نحاول أن تؤسس له.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*