د. عبد السلام الصديقي يكتب: التصنيع والسيادة الاقتصادية

التصنيع والسياسة الاقتصادية

بقلم: د. عبد السلام الصديقي 

التفكير في مرحلة ما بعد وباء فيروس كورونا، في هذه الظروف التي تتسم بالحجر الصحي، مهمةٌ صعبة للغاية. وإذا كان الجميع يُــقِرُّ بأن لا شيء سيظل غدا مثلما كان عليه بالأمس، فإن كل واحد ينطلق من قناعاته ومرجعياته  ليتصور هذا ” الما بعد ” ذا المعالم الغير محددة.

إن المؤكد حاليا هو أن جميع البلدان قد تجندت من أجل تخطي هذه الأزمة الصحية العامة، وذلك من خلال تعبئة إمكانيات بشرية ومادية هائلة.

فقد تغلبت الحكمة على أي اعتبار آخر حينما تم إعطاء الأسبقية لحياة الإنسان بَــدَلَ النمو الاقتصادي، وهذه مقاربة حضارية رفيعة سيسجلها التاريخ. وهكذا أدى الحجر الصحي في كافة أرجاء المعمور إلى توقف شبه تام للآلة الاقتصادية، وتم الاحتفاظ فقط بتلك الأنشطة المرتبطة مُباشرةً بالحاجيات الأساسية للإنسان، كالصحة والغذاء والأمن.

وتلك هي بالضبط المقاربة التي اتبعتها، وتتبعها إلى الآن، بلادنا في تدبير وضعية الأزمة التي نمر منها. وينبغي الإقرارُ بأن هذه المقاربة أبانت، إلى حد الساعة، عن فعاليتها، فالأمر كان يقتضي التدخل السريع والاستباقي من خلال العمل على واجهتين: التكفل بالأشخاص المُصابين من جهة، والحفاظ على مناصب الشغل كلما كان ذلك ممكنا وتقديم المساعدة إلى ملايين المواطنين الذين أصبحوا بدون دخل، من جهة ثانية.

طبعا، إذا كان الأمل واردا جدا في إمكانية معالجة هذه الأزمة الصحية العامة خلال بضعة أسابيع، فإنه علينا في ذات الوقت أن نتهيأ للأزمة الاقتصادية التي قد تدوم لسنوات.

إن بلادنا مُطالبةٌ بوضع مخطط طموح للانطلاق يكون في مستوى عُـمْــقِ وخطورة الأزمة، وينبغي أساسا عدم اللجوء إلى بعض الوَصفات التي أبانت عن محدوديتها، ذلك أن السياسات التي تستند إلى اقتصاد العرض سَــتُواجَهُ بالرفض في كل أنحاء العالم، والأجدر بالمقابل تــرجــيــحُ العمل بالاقتصاد المتمحور حول الطلب عبر إطلاق برنامج واسع للاستثمارات العمومية والتسريع في محاربة الفقر وتدعيم الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية الأساسية…

أجل، إن الخروج من الأزمة مرتبطٌ أيضا بالسياق الدولي وبطبيعة تصرف الفاعلين الأساسيين في الاقتصاد العالمي، حيث إن العلاقات المتبادلة، أو بالأحرى التبعيات المتبادلة بين مختلف الاقتصاديات، لن تنتهي بــنهاية الأزمة الصحية، كما أكدت على ذلك شخصيةٌ على دراية كبيرة بخبايا الواقع الدولي، ويتعلق الأمر بالرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان: ” بعد الأزمة، لا أعتقد أنه سيحصل انغلاقٌ على الذات من طرف الدول، ولكن على العكس، تعميق التعاون ومزيد من التضامن، وسيكون ذلك، على كل حال، ضروريا للخروج من الأزمة الاقتصادية”.

إن أي تراجع مُبالغ فيه للعولمة أمر مستبعد، لأن ذلك ليس في مصلحة أي بلد، بالنظر إلـــى “التبعيات المتبادلة” بين مختلف اقتصاديات المعمور، ليظل الرهان متجسداً في كيفية ومدى ضمان حد أدنى من الاستقلال في محيط الانفتاح الاقتصادي، ولعل ذلك يُــعَـــدُّ أَحَدَ الدروس الأساسية التي ينبغي استخلاصها من جائحة كوفيد 19.

فبلادنا مدعوة بقوة إلى ضمان استقلالها، بل وسيادتها، في المجالات التي تهم مباشرةً حياة المواطنين، كالصحة والغذاء على سبيل المثال لا الحصر.

كنا نعرف أن العولمة هي سلاح ذو حدين، فهي في ذات الوقت فرصةٌ وتهديد، ولقد كنا طوال السنوات الماضية مُنبهرين بما تُــتــيـــحه من فرص، لكن متغافلين عن المخاطر التي تحملها، لدرجة أَنْ لا أحَــدَ، بالكاد، كان يتجرأ على الحديث حول التبعية!

وها هو الوقت قد حان الآن من أجل العودة إلى جادة الصواب والتمسك بالأسس، فاستقلالنا الاقتصادي ليس ترفا، بل إنه ضرورة حيوية، إن نحن أردنا أن نُجنب بلادنا أسوأ الخَــيْــبَــاتِ مستقبلا.

ولنكن أكثر وضوحا بهذا الصدد: الاستقلال لا يعني مطلقا الاكتفاء الذاتي في جميع الميادين، فليس هناك بلد واحد، كيفما كان حجمه ونفوذه، بمقدوره تحقيق هكذا اكتفاء ذاتي، اللهم إذا كان ذلك على حساب حرمان وإحباط ساكنته.

إن الاستقلال المقصود هنا هو الذي ذاك الذي يضمنُ، بأقصى ما يمكن، الاعتمادَ على ذاته في تغطية حاجاته الأساسية، وهو ما يفترض تبني تصنيع حقيقي كما عَــرَّفَهُ العالم فرنسوا بيروFrançois Perroux : “التصنيع هو أساس كل سياسة استقلالية، أي تماسكُ بِـــنْـــيَــةٍ مُــنَــظَّــمَةٍ أصبحت قادرة على الهجوم الاقتصادي في الخارج”، ويُضيف: “التصنيع عملية معقدة تتوفر خلالها مجموعة بشرية على نظام منسق للآلات، والذي تحول بواسطته العالم وتتحول هي أيضا، وتعمل فيه العلوم والتكنولوجيا بسرعة على تحسين السرعات والتدقيقات والقدرات” (من كتاب: استقلال الأمة).

وعليه، ينبغي الانكباب حول هذه المهمة تحديدا، من خلال الاستثمار المكثف في “الصناعات المتمركزة حول الإنسان”، وهي الصحة، الغذاء، التكوين، البحث العلمي، الانتقال الإيكولوجي، الثقافة، والرقمنة، ….الخ.

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*