الدولة المغربية الحديثة ومعضلة الحداثة

بقلم: عـــــزيــــز قنجــــــاع

الدولة المغربية العادة و التاريخ:

حضور دولة الصفاء القومي في التاريخ المغربي حتى القديم منه، يعد أمرا نادرا إن لم يكن منعدما، وقيام الدولة بالمغرب على شرعية تستمدها من داخل سوسيولوجي متراص موحد منسجم، يعد بدوره أمرا لا تزخر المتون والحوليات التاريخية بأخباره ولو من باب النوادر.

ولكن المأثور الذي يشكل القاعدة، هو دولة تتسيد داخل مجال جزئي من المجتمع تفرضه بفعل العوامل التاريخية مسارات من التعدد والتمازج وتشكيلات إثنوغرافية بتمظهرات سياسية تستدعي العرق أو الغلبة القبلية أو الجد الأعلى الخارق أو الأصل النقي المفارق، وتجد العصائب والقبائل والفئات والتراتبيات التي يتألف منها المجتمع المغربي على مستوى التاريخ صعوبة كبيرة في التحالف والتعاون والاندراج في وحدة سياسية اجتماعية متماسكة.

بل إن هذه التراتبيات المجتمعية في مراحل معينة من تاريخنا أي في مرحلة ما بعد المرينيين-الوطاسيين استنفدت فاعليتها السياسية في التناحر والصراع المبيد حيث استنفدت العصبيات الثلاثة الكبرى صنهاجة–مصمودة–زناتة كل إمكانياتها التاريخية، ليتنطح جهاز الشرافة-الزاوية الحكم وعملية بناء الدولة وإرساء استمرار حضورها على قاعدة نَسَبِيَّة، عسكرية وإدارية، ويكون محتوى سيطرتها مرتكزا غالبا على مضمون اجتماعي فقير يقتصر على التحكيم والتوازن والتوفيق والتأرجح، وعلى الفئات البيروقراطية الإدارية والعسكرية كالقياد والباشوات في المرحلة قبل استعمارية.

كما أن الدولة لم تحل بين المجموعات العرقية وبين أن تسن شرائعها وتعمل بموجب أعرافها وترفع أعلامها، أخص هنا أعلام الزوايا المختلفة التي شاركت الدولة مناطقياتها القصية، وتجبي ضرائبها تبعا لأنظمة تتعدد تبعا لتعدد هذه المجموعات؛ فما دامت لا تثقل كاهل الحكم، فإن الحكم لم ير حيفا في استقلالها مقابل خدمات محددة، مع إعمال معدل كاف من العنف أحيانا من خلال الحَرْكات  ، كما هو حال السلطان المولى الحسن الأول، للحفاظ على الفئات المحافظة التي بطبيعتها تعمل دائما على ضبط المصالح المحلية والتمايزات المؤسساتية الموروثة، كابحة انبثاق أي توجه مخالف.

الدولة المغربية الحديثة:

تظهر الدولة القومية الحديثة في تحليل المدرسة التاريخية تحصيلا تاريخيا للعلاقة التي تنشأ بين قوة البرجوازية في المجتمع وبين الشعوب التي تحضن هذه الفئة الاجتماعية الجديدة، تعد البرجوازية الوطنية بالمغرب طبقة فتية حديثة وتشكلها خضع لتوازنات فئوية ارتبطت بالدولة تاريخيا، تطلق عليها الدراسات التاريخية اسم البرجوازية الكمبرادورية، عكس الدراسات التي ذهبت إلى تعميم الوصف وسمتها برجوازية كولونيالية رابطة بين بزوغها وبين الاستعمار كما ذهب إلى ذلك المفكر اللبناني “مهدي عامل” في كتابه “مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني” خصوصا الجزء الثاني منه، ففي نظري أنه يمكن تعريفها على مستوى التاريخ المغربي بالقول: إن البرجوازية المغربية هي تحول شرائح مهمة من البيروقراطية العسكرية والإدارية والأعيان إلى طبقة وسيطة تقوم بمهام تجارية فائضة عن السلطان حيث بقيت تابعة للدولة.

إن تبعية هذه الفئات للدولة جعل هذه الأخيرة، أي الدولة، تقوم بمهام البرجوازية في إرساء شكل السيطرة السياسية الحديثة من خلال تبني البرنامج البرجوازي فتحدث المفارقة أو مأزق الدولة/الطبقة. وهو أمر نشترك فيه مع العديد من النماذج التاريخية الأخرى، فقد رأى الماركسيون، ومنهم نيكوس بولنتزاس في كتابه “السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية”، أن “الدولة الملكية دولة البرجوازية الصاعدة”.

يتراءى من خلال هذه الملاحظات أن هناك تفاوتا يطول علاقة السياسي “الدولة المغربية” بالاجتماعي “البرنامج البرجوازي”. ورغم المحاولات المضنية، فإن شكل الدولة القومية المغربية الحديثة يبدو أنه لا ينتهي باستتباب البرنامج البرجوازي. فرغم العمل الجبار الذي قامت به الدولة المغربية وطموحها في تحويل برنامجها البرجوازي إلى برنامج بطموح قاري ودولي بالخروج نحو أسواق دولية، ورغم الامتيازات الهائلة التي أرستها لإعطاء ملمح جسم برجوازي مستقل حيث تبدو الدولة المغربية منهمكة في جلبة الإصلاح الاقتصادي لإعطاء شكل السيطرة السياسية مضمونه الاجتماعي في أفق انتفاء التفاوت الحاصل بين الاجتماعي والسياسي؛ وذلك بانحلال الثاني في الأول انحلالا كاملا لتحصل المطابقة بين الاجتماعي والسياسي، إلا أن هذا الانحلال يعرف تعثرات عدة:

فثمة شكل الدولة السلطانية الموروث عن العصر الوسيط “لا أرى في استعمال مفهوم المخزن أية إحالة مضمونية معرفية”، وعناصر أساسية أخرى كاللغة/العرق، والتاريخ/التقليد والعرف، وهي عناصر لم تنجح الدولة المغربية الحديثة في القضاء عليها والتخلص منها. رغم توحيد السوق والمدرسة الوطنيتين هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن محاولات إقرار تعايش بين شكل الدولة السلطانية المنحدر إلينا من تاريخنا الطويل  ومتطلبات الدولة الحديثة استطاعا أن يهشما الطموح السياسي للدولة المغربية في أن تتحول إلى طبقة سياسية وطنية ببرنامج برجوازي حداثي ينسجم وروح مضمون الطموح البرجوازي.

إن صحت هذه الملاحظات السريعة-التي تتطلب نقاشا مستفيضا-نجم عنها أن فهم الدولة القومية المغربية الحديثة مسألة مزدوجة ومتفاوتة، لأنها تسعى إلى الإحاطة بشروط السيطرة البرجوازية على المجتمع في إطار هيكل سياسي موحد ومستقل هو الدولة القومية المركزية، فيصطدم مضمونها باتجاهين:

مضمون تاريخي تقليداني؛ حيث إن شكل الدولة السلطانية الموروث عن العصر الوسيط الذي أصبح يلم مساحات شاسعة من الحضور يقوم في استمراريته وتجدده على داخل متوتر تمايزي وتناحري للأطراف المشكلة له “تقليديون ليبراليون وحداثيون وهوياتيون”، والتي تستمد الدولة شرعيتها من هذا الاختلاف من خلال التحكيم والتوفيق والترجيح.

مضمون حديث؛ حيث إن تشكل الدولة المغربية الحديثة راجع إلى الإجراءات والتدابير القسرية التي فرضها الاستعمار الفرنسي على المغرب شعبا وحكاما ومثقفين، ومعناه أن المغرب لم يقم بثورته البرجوازية، بل أُقيم له بها، لكن ثورة لا يقوم بها شعب، لاسيما إن كانت هذه الثورة هي العمل الذي يجعل من فئات متنافرة متقوقعة في خصوصياتها شعبا واحدا، إن مثل هذه الثورة لم تكن ثورة ولكنها مجموعة قرارات إدارية تقلب الهيكل الاجتماعي والسياسي لكنها لا تنفحه القدرة على الإبداع على مستوى المشكلات التاريخية.

الملاحظ أننا هنا نحاول أن نجيب على سؤال: لماذا لم تنجح الدولة في تفكيك الروابط القبلية والإثنية والعرقية وتتجاوز المضمون التقليدي للمجتمع، كما نجحت في توحيد السوق الوطنية ووحدت التعليم والإدارة ووحدت البنية الفوقية الحقوقية وأقامت بنية تحتية تدمج المناطقيات القصية ضمن السوق الوطنية، وبقيت في المقابل التمركزات الإثنوغرافية والقبلية والتقليدانيات المختلفة قائمة متوترة ومنفصلة ضمن ووسط سيرورة تنحو منحى التجانس والتوحيد أحيانا والاصطدام والاختلاف أحيانا أخرى؟

لم تحقق الدولة المغربية باعتبارها دولة البرجوازية المفترضة برنامجها في تأسيس دولتها الحديثة على تحولها إلى طبقة سياسية واحدة. تتنطح الدولة المغربية دائما في تمثيل الطموح المجتمعي الشامل فتبقى في مركز التحليل دائما. لكن هذه المراوحة تبقى قائمة، وهي معضلة الدولة المغربية التي لم تحسم اختياراتها نحو الحداثة بالعمل المضني للمزاوجة بين مظهري التقليد والتحديث، لتترك الباب مفتوحا لعودة المكونات المجالية القبلية والعرقية والفئات التقليدية التي تجد ملاذها في الإسلام السياسي وفي خطاب الهوية المتقوقع الذي أصبح يكتسح ويزاحم التعبيرات الأخرى.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*