المريزق: لا نريد أي خيانة جديدة من طرف الطبقة السياسية، نحلم بمغرب الكفاءة والابتكار والابداع والبحث العلمي…والحماية الاجتماعية مطلب وجودي

حوار مفتوح حول الحماية الاجتماعية

المريزق المصطفى

من الصعب في هذه الظرف بالذات، وربما حتى على المدى المتوسط كذلك، أن نقبل بأي خطاب سياسي، إذا لم يكن يحمل مشروعا مكتملا لبناء نموذج تنموي اجتماعي مغربي.

كما سيكون من الصعب أن تقبل “الطبيعة” خبراء وموظفين سياسيين وأعوان حزبيين، في زمن نحتاج فيه الى بناء مجتمع المواطنة والدولة الاجتماعية.

يمكن أن يعرضنا مثل هذا الكلام الى نقد لاذع من طرف السفهاء الذين لا روح ولا قوة لهم، أو من طرف المكبلين بقيود الايديولوجية الماضوية، أو من لدن المحاصرين خلف ستار “الزعيم” أو “المرشد” في انتظار “كودو” أو الجنة.

هناك طريقتان للإجابة على مثل هؤلاء: الجواب الأول هو سياسي، ينبع من روح الاجتهاد والبحث المضني عن استراتيجية خطابية وتواصلية فعالة، من شأنها تحسيس “المغربي” بأهمية حقه في اختيار ما يريد بكل حرية، و بضرورة خروجه من حالة الاستعباد التي يعيشها، حتى يستطيع صناعة نفسه بنفسه.

والجواب الثاني هو علمي، مرتبط بضرورة تحديد فهمنا لعلاقة الاقتصاد بالسياسة وبالمجتمع.

فمن يريد أن يحاورنا، ويتفاعل معنا، حول هذه الأسئلة..نقول له: مرحبا…!

قبل الهجوم الكاسح لوباء ” كورونا فيروس” على العالم، كان المغرب قد اعترف رسميا بفشل نموذجه التنموي في كل المجالات، و خرجت الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، تدعو للتخلي عنه، وتدعو للتفكير في نموذج جديد، كما عبرت النخب المركزية كذلك عن رغبتها في المشاركة والمساهمة في بلورة هذا النموذج الجديد، وان كان ذلك بطريقة مترددة ومتناقضة احيانا.

لكن هل هذا يكفي لصنع ” نموذج جديد”؟ فالحمد لله، لم نصل الى حالة الطوارئ السياسية والاقتصادية والعسكرية، ونتمنى لبلادنا كل الاستقرار والأمن والأمان!

وتعتبر عودتنا لهذا الموضوع من جديد، عودة للتفكير الحر في جودة النموذج التنموي الذي نتطلع إليه من خلال مؤشرات رئيسية: البطالة ومدتها، الأمية وانعكاساتها، والوضعية الهشة للنساء خاصة في المغرب القروي والجبل والسهوب والواحات. ومن خلال ” حماية القوانين” التي تسمح بإعالة الجميع من ثمرات عملهم، مع توفير الحد الأدنى الاجتماعي الذي يجب أن يوفره التضامن الوطني.

كما نعود لهذا الموضوع من جديد، لنسجل موقفنا من الجدل الضعيف الذي واكب نقاش النموذج التنموي الجديد، قبل أن تقدم اللجنة المكلفة بذلك مشروعها، وللمساهمة في تصحيح مسار النقاش من خلال تبني فكرة النموذج الاجتماعي، ووضعه في قلب النموذج التنموي، وفي مركز الخطاب السياسي والاقتصادي، وإبعاده عن أي صراع داخلي مصلحي…

إن النموذج التنموي الجديد الذي نتطلع اليه، يجب أن يتضمن نموذجا اجتماعيا وطنيا يكافئ الجهد، ويمنح للجميع الحق في الشغل، وتكافؤ الفرص والمساواة الحقيقية بين الأفراد بغض النظر عن أصلهم أو معتقداتهم، حتى لا يبقى بيننا الحاصل على الدكتوراه أو شهادة عليا ينام على الرصيف ويعيش في الفراغ…

إنه إحساس وطني بالمسؤولية، في لحظة تاريخية مفصلية، وفي ظل واقع اجتماعي لا يرحم، بعيدا عن التفاهات السياسية لكي لا أقول الصراعات السياسية المنحطة.

وهذا لا يعني التنازل عن السياسة، لكن ممارسة السياسة من أجل السياسة ومن دون أخلاق ولا معارف ولا مدارك، نعتقد أن عهدها قد مضى وانقضى.

ومن أجل ذلك، يجب أن يتضمن النموذج التنموي المقبل، تمويلات خاصة للعلوم الاجتماعية، لخلق الوعي الضروري بالحماية الاجتماعية، وحتى يكون ” المغربي” هو أساس كل شيئ، وحتى تكون الأسرة المغربية بإمكانها التطلع إلى مستقبل أطفالها بكل ثقة، وحتى نعيش جميعا في وطن دون عاطلين عن العمل، ومن دون فقراء ومستبعدين اجتماعيا.

لا نريد أي خيانة جديدة من طرف الطبقة السياسية، نحلم بمغرب الكفاءة والابتكار والابداع والبحث العلمي.

كما نريد أن تصبح الحماية الاجتماعية، ليست مطلبا شعبيا و وطنيا فقط، بل نريدها مطلبا وجوديا في بلد ما زال يتذوق بقايا الانصاف والمصالحة وذكرياتها.

إن تسليط الضوء اليوم على الحماية الاجتماعية، هو نقد للعقل التنموي المتخلف عن الركب الاجتماعي، وهو دعوة صريحة ليشمل النموذج التنموي الجديد التوزيع العادل ليس فقط للثروات، بل وكذلك للسلطات، حتى لا يكون أي تفكير في البناء الاقتصادي- التنموي، من دون مضمون اجتماعي.

طبعا هذا يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، والى صياغة قوانين ومبادئ.. وترسيخها تدريجيا. فمن غير المقبول أن نؤمن بالتقدم التكنولوجي، والتطور العلمي، والاقتصاد الرقمي، وأن لا نؤمن بالحماية الاجتماعية.

وهو ما يتطلب منا جرأة سياسية، وسلسلة جديدة من القرارات، ومن بينها جعل المسؤولية تقوم على العقد، قبل ربطها بالمحاسبة، وجعل الانتخابات المقبلة امتحان لفرز المؤهلات والمؤهلين، بدل جعلها مرة أخرى قنطرة عبور للأعيان والفاسدين والغرباء…

إن تسليط الضوء على حركة المجتمع المغربي الذي تغذيه التعددية المفرطة، يفترض عدم التسامح مع الفساد إذا كنا نرغب حقا في بناء المواطنة الاجتماعية، وإذا كنا فعلا نريد تحقيق التضامن في كل أبعاده، المهنية، والأسرية، والصحية والتعليمية.

فالحماية الاجتماعية يجب ان تكون أولا وقبل كل شيئ، مرتبطة بالانتماء إلى المجتمع….

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*