التعليم الخصوصي: الأفق الغامض ومسؤولية الدولة

التعليم الخصوصي: الأفق الغامض ومسؤولية الدولة (الجزء الرابع )، (04)
بقلم سدي علي ماءالعينين ،أكادير ،ابريل،2020 ،
مقال:(39) ،2020

في الجزء الرابع والأخير من مقالنا حول التعليم الخصوصي(ت/خ) في أزمة كورونا، سنحاول بشكل مختصر الخروج ببعض الخلاصات الأساسية والتي تبدو لنا هي المدخل لمعالجة هذا القطاع مستقبلا:
– القناعة الراسخة هي أن التعليم الخاص بمفهومه التاريخي المرتبط بالنشأة ومقاومة الإستعمار لم يعد هو نفسه (ت/خ) الذي نعرفه اليوم،
-كما أن (ت/خ) الذي كان إختيارا لطبقة ميسورة من المجتمع أرادت لأولادها الإبتعاد عن عموم الشعب و تدريسهم بالقطاع الخاص قبل ارسالهم في بعتات، و منحهم منحا وإمتيازات للدراسة بالخارج، لم يعد هذا (ت/خ) في غالبيته يؤدي هذه الوظيفة.
– التراجع المهول للمدرسة العمومية- وقرار الدولة التخلي عنها إستجابة للإملاءات الخارجية- هو ما جعل من (ت/خ) يقدم كبديل لفئات مجتمعية تختاره بالإكراه.
– ولانه قطاع أصبح يغري هذه الفئات، فكان طبيعيا ربط العرض بالطلب، وبالتالي تقديم عرض بكلفة ضعيفة او متوسطة على حساب الجودة و المردودية في بعض المؤسسات.
-في المقابل تعاملت الدولة بتسهيلات ساهمت في قتل هذه الجودة والمردودية، وذلك بالسماح بفتح مؤسسات بالمنازل و الفيلات وحتى العمارات… بشكل يتنافى مع المقاييس المتعارف عليها. ودخول متطفلين بعيدين عن التعليم والأغراض ربحية تجارية،
– الدولة وجدت في قطاع (ت/خ) مخرجا مناسبا تجني منه كفائض ماكان يجب أن تصرفه على مليون تلميذ( بين 700 إلى 1400 درهم شهريا للتلميذ) و تخلصت من فئة من العاطلين لم يستطيعوا ولوج سوق الشغل ووجدوا ضالتهم في مؤسسات تجارية بمقابل معقول.
– وبعد أن راكم هؤلاء المدرسون تجربة سنوات من الممارسة وبمبالغ شهرية بين المحتشمة والمشجعة، جاءت الدولة و سلبتهم من (ت/خ) لترمي بهم في التعاقد. ليغرقوا هذه المؤسسات في خصاص مهول.
– وما فعلته الدولة مع قطاع (ت/خ)، يفعله المديرون التربويون مع أصحاب المؤسسات، حيث يقومون بعد سنوات من التمرس في الإدارة بفتح مؤسساتهم الخاصة وطبعا مع الإستعانة بزبناء المؤسسة السابقة وحتى بعض اطقمها الإدارية، والنتيجة حرب غير معلنة ومنافسة غير شريفة، ولكن لا يهم مادام الطلب يتزايد رغم تراجع الجودة.
– في الأجزاء السابقة قلنا مرارا اننا أمام شركات ربحية تجارية تشتغل في قطاع التعليم، وهي تعرض خدماتها للزبناء عبر الإشهار و الدعاية و الإغراءات، و بعد قبول التسجيل تبدأ عملية التفاوض على الأثمنة والخدمات التربوية، و كلا الطرفين يعرضان شروطهما و يتفقان عبر عقد و إلتزام يلزم الطرفين.
-هنا لا حق لأي الطرفين الإحتجاج على ما اتفق عليه مهما كانت الظروف، مادامت المؤسسة تقدم الخدمات فعلى الزبون التسديد.
– في حالة أزمة كورونا هناك مواطنون فقدوا عملهم او فقدوا هامش الربح الذي يسمح لهم بسداد أقساط دراسة الأبناء، فمن يجب أن يتحمل هذا العجز؟
المؤسسات الخاصة هي تقدم خدمات عن بعد و لديها إلتزامات مالية إتجاه المدرسين والعمال والضرائب،
فعلى أي أساس نطلبها بتحمل تبعات الأزمة بإسم التضامن الوطني؟
– الدولة لا تريد المساهمة في قسط من سداد أجرة العاملين بالمؤسسات، وخرج الوزير بما يشبه التشهير بها، بدل تتبع مساطر الإدارة،
وفي الوقت نفسه الدولة تعتبر نفسها غير معنية بأقساط التمدرس عند الأسر، على إعتبار انه خيار لا يلزمها مادامت مدارسها العمومية مفتوحة وبالمجان،!
– و من يحاول اليوم تقييم خدمات (ت/خ) بمناسبة أزمة فيروس كورونا للتهرب من أداء أقساط شهرية مبنية على إلتزامات عقود، و ذلك بسبب العجز الإضطرارية، فإن الحل لا يمكن أن يتم من طرف الدولة التي لا سلطة لها على هذه المؤسسات،
وحتى قانونيا إذا توقفت مداخيل هذه الشركات يكون من حقها توقيف خدماتها، وعلى المتضرر نقل أولاده إلى مؤسسات الدولة المجانية!!
– نعم هناك جوانب الوطنية و المواطنة و التربية و التعليم و الرسالة السامية، كل هذا جميل ويصلح كسلوك راقي مطلوب من الجميع في هذه الظروف،
لكن قانونيا لا قانون يقول بأن شركات تواصل خدماتها و بالمجان وإلا فكيف لها أن تكون تجارية؟
-لو اغلقت هذه المؤسسات ولا تؤدي خدمات فكان سيكون حالها حال قطاعات متضررة من الأزمة جزئيا او كليا ، ولكن هنا الوضع مختلف.
في المحصلة، يجب أن نقر ان هذا الملف يعني فئة قليلة من ساكنة المغرب، وكلها بالعالم الحضري والشبه الحضري، وأنه قطاع إختياري ولو كانت دوافعه إضطرارية،
ومن يصف خدمات (ت/خ) بالمتدنية والضعيفة ماعليه سوى العودة للمدرسة العمومية فأبوابها مفتوحة للجميع وبالمجان، وإذا كانت ضعيفة و دون المستوى، فسيبقى للأب الإختيار.
حقيقة صادمة ولكنها واقعية، عندما كان يناضل رجال التعليم بالمدرسة العمومية ويضربون، كان التلاميذ يعانون من هدر الزمن المدرسي، و اقدمت الدولة على إقتطاع ايام الإضراب، كان السؤال بين الحرص على تحقيق المطالب، و بين الحرص على عدم ضياع التلاميذ،
اليوم أرباب المؤسسات واطقمها التربوية تريد مستحقاتها، وورقة ضغطها الوحيدة هي ما يشبه الإضراب عن التدريس!!
في الحالة الأولى الدولة هي المعنية بالسداد و التسوية، وفي الحالة الثانية الآباء و بنسبة ممكنة الدولة أيضآ.
مالا يريد الجميع مواجهته هو :
ماذا سيحدث لو أعلنت بعض المؤسسات الخصوصية إفلاسها بسبب الأزمة قبل نهاية الموسم الدراسي؟
ومن سيجبر المؤسسات بقبول مقترح ” الدين الأكسجيني” من الابناك لصرف أجور مدرسين يواصلون تدريس تلاميذ آباءهم لا يدفعون الأقساط، ولا ضمانة لبقائهم في الموسم المقبل بالمؤسسة؟
و في مستوى أكبر، هل فعلا الدولة اليوم تملك الطاقة الإستيعابية لإستقبال مليون تلميذ من قطاع (ت/خ)؟
وهل تملك الغلاف المالي لتغطية ميزانية هؤلاء التلاميذ شهريا ؟
وهل لديها الحلول لإستقبال قرابة 200 الف من الأطقم المشتغلة بالقطاع والتي سيتم تسريحها ؟
لا يمكن أن نتخيل اي سيناريو ممكن دون الحديث عن دور الدولة وقراراتها و تدخلها،
لأن الدولة هي من تخلت عن التعليم،
والدولة وهي من رمت أسر كثيرة في أحضان (ت/خ)،
والدولة هي من وجدت في هذا (ت/خ) ضالتها و جعلته يترعرع ويكبر ولو ب جودة ضعيفة او رقابة تربوية متفاوتة ،
و الدولة هي من ستعاني إذا توقف هذا القطاع لانه أصبح بنيويا في الدولة،
وهناك كثير من مؤسسات (ت/خ) مشهود لها بالجودة والوطنية و الكفاءة والمردودية والعطاء.
فلا داعي لإختزال الملف في من سيسدد الأقساط ولا من سيدفع الأجور،
الموضوع اكبر من ذلك:
كيف نعيد التعليم العمومي إلى مستواه الذي بنى مغرب ما بعد الإستقلال؟
وكيف نجعل من القطاع الخاص قطاعا موازيا إختيارا وليس بديلا إضطراريا، والحرص على تطوير جودته و مراقبة إختلالاته و الحد منها ؟
الجواب لن يكون في شن حملة ضد (ت/خ) ،ولا في رمي الثقل كله على الدولة او الآباء،
الجواب هو إعتماد المرونة في تخطي الأزمة وحماية التلاميذ، و في العطلة الصيفية يجلس كل إلى طاولة تحديد المسؤوليات و الإختبارات، وساعتها كل وقراره الذي يناسبه.
اتمنى ان اكون قد وفقت في طرح هذا الموضوع في بعض جوانبه، واشكر كل من تعاون معي لمدى بالمعطيات التي أتمنى أن أكون قد اوصلتها بأمانة،
ومهما كانت كل الآراء والمواقف، يبقى ذائما السؤال:

فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*