وجوه عبد اللطيف بلعزيز والاختفائية العميقة لما يُرى

عزيز قنجاع

أود إن أشير في البداية أنني لست متخصصا في النقد التشكيلي، إنما ما جمعني بأعمال بلعزيز هو دراستي الفلسفية للجسد الذي سنخصص له مقالات قريبة …..

وبالتالي فإن قراءة أخرى لمضامين الأعمال التشكيلية دائما ممكنة إن التقت مع جوانب فلسفة ما وهي العملية التي تحف كل الأعمال التشكيلية الرائدة.

فالقراءة الفلسفية للأعمال التشكيلية عند بلعزيز ممكنة، لكن ليس من موقع تشكيلي بحت وإن كان ضروريا، بل من موقع نقدي فلسفي.

نقول هذا حتى نبرر ما سنقوم به من نقد للأعمال التشكيلية للفنان العالمي عبد اللطيف بلعزيز، فهذا النقد يستدعي حيثيات معرفية أخرى، وفي غالب الأحيان يجب أن يحضر النقد الفلسفي محل الناقد التشكيلي أحيانا، لكن يجب التمييز بين هذه الأنواع من النقد والمحافظة على كل نوع في نطاقه الخاص – حتى لا يكون تداخل في الحكم، فليس لوسيان غولدمان مثلا ناقدا أدبيا رغم انه كتب حول راسين ولوركا والقصة الجديدة في فرنسا، كما أن ماركس لا يعد ناقدا أدبيا لأنه كتب صفحات حول بالزاك في الأسرة المقدسة…

كما أن النقد المنتشر حاليا والمترتب على اللغويات الحديثة كما أرساه رولان بارث في فرنسا، يجب أن يعتبر نقدا فلسفيا، لا نقدا أدبيا منهجيا.

أما النقد الذي نوده لهذا العمل فانه يحاول أن يصل إلى النظرة المتحكمة في مجمل العمل في التصور والإحساس والكشف عن العوامل التي حددت هذه النظرة ومبررات وجودها وحضورها من هذا المنظور تبدو الأعمال التشكيلية لعبد اللطيف بلعزيز صورة خامة تبين الأفق العام الذي يضع فيه اهتمامات التشكيلية.


تتميز الأعمال التشكيلية لعبد اللطيف بلعزيز بالاشتغال المتخصص على الجسد، لكن لا كجسد مترفه بل الجسد في تلك المنطقة الحالكة من الاستهلاك الذاتي حيث يتحول ضمنه الجسد الى قطعة من حيز ملتبس تتمفصل مكانيته الخاصة والمتعذرة الإنقاص حول حيز الاشياء وضمن هذه التجربة نفسها تقدم الرغبة كشهوة أصلية انطلاقا منها تكتسب الأشياء قيمة، فيجعل الجسد ذلك الكيان البسيط الملتبس الذي هو بآن معا واقع وشرط لإمكانية كل الوقائع، وقد خصصت لهذا الجانب من أعمال عبد اللطيف بلعزيز عدة ملاحظات في مقال سابق
لكن أريد في هذا المقال أن أسجل بعض الملاحظات حول أفكار بلعزيز التشكيلية حينما ينتقل من الجسد ككل إلى التركيز على الوجوه والوجه فقط في لوحات جد متخصصة تضع الوجه الإنساني موضوع اشتغالها فتبدو وجوه بلعزيز منفلتة من كل الفرضيات التي قد نطرحها لتفسير التغيرات الحاصلة في مضموناتها وكل ما يمكن أن نتقدم به في هذا المجال لن يضيف شيئا إلى فهمنا لطابع هذه الملامح القاسية و المباغتة التي تطغى على لوحاته.
يختار بلعزيز حين الاشتغال على الوجوه إطارات جد جد ضيقة ، ضيْق الإطار هذا مباغت لا بسبب الحجم الصغير للوحاته بل بسبب التركيز القاسي في تسييج الوجه وملامحه ومحاصرتها كأنه يستنطقها بحضورك إذ حالما تنظر إلى لوحاته فانه يمسك بك يسرقك منك ويجبرك على الدخول الى لوحته ويخصص لك وقتا كافيا للإلزام المنهك ويتيحك مكانا مميزا وإجبارا للنظر إلى موضوعه مباشره دون تردد.
الإجبار قائم من خلال الاستدراجات التي يقدمها الضوء في أعماله هاته، فجميع اللوحات المعروضة يدخل النور إليها دائما من زاوية واقعة على حافة الوجه فيضيء الجوانب المماثلة من نصف الوجه البارز وينكسر متدرجا في اتجاه الجانب الآخر من الوجه، لا يحيلنا بلعزيز إلى مصدر الضوء، فالانعكاس مرئي لكن لا نتبين مصدره وكأنه واقع خارج الإطار.
وجوه عبد اللطيف بلعزيز تبدو كأنها قطع من حيز ملتبس تتمفصل بين شقين متمفصلين من خلال الضوء المسلط على جانب منه والمتدحرج متدرجا سلسا من مواقع الرؤية البسيطة إلى مدارج متهالكة من التفاصيل الصادمة المتتالية حثيثا مع تكسر الضوء وأفوله نحو الحلكة و الظلام .لا تحيل الملامح في “وجوه” إلى دعامة شفافة، فالوجوه تحضر بملامحها ولكن لا يمكن معالجتها فنيا إلا باعتبارها ذاتا بين موضوعات أو أشياء، لان الفنان يعالجها بامتعاض فهي بالنسبة له موضوعا وليست امتدادا لكائن حي اسمه الإنسان بل نسيجا مشدودا الى متعارضة جوهرية يلعب الضوء فيها دور الفيصل.
يبدو الحقل الضوئي ينير مباشرة بنية التفاصيل الجانية للنصف الموازي لملامح طبيعية مقابلة من الجهة الأخرى للوجه، فالمقابلة هنا بين الجزئين الذين ينتصب خط الأنف المبعوج دائما فاصلا حادا بينهما حيث تبدو الجهة التي يحفها الضوء، رخوة مرنة مشبعة ومنفتحة، والجهة الغائرة في الظلام حتما مظلمة مشدودة في حلكة اللون فيحضر الوجه من الجهة الأخرى صلبا مظلما وكثيفا ومغلقا بل منغلقا على نفسه وتأتي ملامحه متشظية حادة وقاسية.
لقد كان النور دائما بالنسبة للنظرة الإنسانية عنصرا ايجابيا بل مثاليا يحيل إلى كل ما هو واضح، بين ، جلي و جميل، عكس الظلمة التي ارتبطت بالشر، لكن النور عند بلعزيز في لوحاته الخاصة بالوجه عامل سلبي بل انه وسيلة فجة وموغلة في التحريف والتعمية، فالإنارة حينما تسلط على الجانب المتقدم من الوجه فإنها تخفي ملامحه الحقيقية وتمحوها محوا، حيث يبدو الوجه مسطحا عاديا محايدا بريئا ولا تبدا الملامح بالتشكل والتمظهر تدريجيا إلا عندما يخف الضوء و ويبدأ في التلاشي والتبدد، فالضوء يغشى البصر والظلام يجلي البصر، لعبة غاية في التعقيد ، فبلعزيز يقيم إبدالا للرؤية فالحيز الجلي الذي يحظى بالقدر الهائل من الإنارة و الضوء هو الخفي حقا لانه ساذج طبيعي وجد عادي، والجانب الخفي المظلم من الوجه في لوحاته هو الجانب الجلي ففيه تتكدس الملامح وتخرج واضحة منبعجة فيبدو الفنان هنا مسيطرا سيطرة تامة على عتبة هاتين الرؤيتين المتعارضتين.
فرغم حضور هذه الجهة من الوجه بكل تفاصيل الانكسارات الألوان المظلمة فهي لا تستمد من الضوء المسلط من الجهة المقابلة أية مائزية ورغم ذلك فالجهة الموغلة هذه في انحدار الضوء تبدو أكثر صلابة وأكثر تعبيرا فهي مبؤورة وكأنها خارجة توا من تسطيح مرآة غير تامة الاستواء، فتبدو الصور عبرها مجوفة، وكان الجانب الظاهر من الوجه المحفوف بالضوء هو الملمح العام المشترك للنوع الإنساني في حين أن الجوانب الداخلية والتي تطغى عليها الظلمة، الموغلة في العمق والتي تتمظهر في ظلام سحيق فاغر هي الجانب الحقيقية من الشخصية، يقلب بلعزيز معاني ظلت مسيطرة على الفهم الإنساني منذ وجوده أنها متقابلات الظاهر والباطن و والجواني والبراني و العرضي والجوهري و النوراني و المظلم ، أن ما لا يستطيع قوله الفكر يقوله بلعزيز في لوحاته بإحالة اقرب إلى صيغة الاختفائية العميقة لما يُرى ، أو بلغة باردة يمكن القول ان وجوه بلعزيز محاطة ملمحيا بكل ما لا يمكن تفسيره بوضوح.
في مقابل الأزواج أو المفاهيم المزدوجة التي تحيل إلى طرائق وعلاقات مزاجية محكومة بالتوزع ..

واقعي / خيالي .خير / شر ..عمل بلعزيز على الواحد المزدوج المعنى، قد يبدو هنا تأثرا مباشرا بفرويد بين ذات حاملة لظاهر ولا شعور أيضا، لكن إذا كان فرويد يعتبر الظاهر مدخل لقراءة الشخصية والتوغل في مناطق الظل، فان بلعزيز يشير الى أن الظاهر المضاء هو الكابح للمعنى وللشخصية وللمعرفة بها ايضا.
هنا تسكن أفق المقابلة الفلسفية والفنية التشكيلية وتصمد في رج واضح للمسلم والأكيد والواضح ، هذا الرج للموازين والعلاقات و التواطئات القائمة هو ما يمكن في النهاية من إعادة تشكيل المقابلات القديمة للنسق الكلاسيكي للفكر والفهم و الاستعارات .

واقتراح تجاوزها ، أكيد أن العملية تقود إلى تخريب الأصل ويعني انه ليس ثمة من أصل ، أو الابتعاد عن مقام الأصلية حال تشكلها كأصل فيتم التمهيد لمسار تأتي الآثار المتتابعة لتعدله في أصليته، لكن هذا التجاوز وهذا الأفق لم التق به إلا في أفق الفن التشكيلي لدى بلعزيز عبد اللطيف.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*