الدار البيضاء: الغول الخارج عن السيطرة

بقلم سدي علي ماءالعينين .

أكادير ،ماي،2020.
, مقال :(50) ،2020
ملاحظة:
” أتفهم دعوة كثير من متتبعي الصفحة أن لا أطيل في مقالاتي لتسهيل القراءة، لكن بصدق إذا أردنا الإلمام بالموضوع في جل جوانبه كان لابد من الإطالة، كما انني أ عتمد التجزيئ في بعض المواضيع التي تبدو لي طويلة أكثر من اللازم، فإستحملوا طول مقالاتي، وغايتي أن تعم الفائدة. ”
قراءة ممتعة ولو متعبة…
غدا نتحدث عن سوس.
قدماء الدار البيضاء يبكون الدم حسرة على مدينتهم ، كيف لا وهم يحسون بغربة في أحياءها القديمة التي أنجبت خيرة أعلام المغرب في ميادين مختلفة قبل أن تتحول إلى بؤر للفساد و الجريمة و العشوائية في كل شيئ،
يبلغ عدد سكان الدار البيضاء 3,359,818 نسمة مما يجعلها أحد المدن الأفريقية والعربية الأكبر سكانا. 98% من السكان يعيشون في المناطق الحضرية، حوالي 25% منهم تحت سن 15 سنة و9% أكثر من 60 سنة، يشكل سكان الدار البيضاء حوالي 11% من مجموع سكان المغرب.
في ليلة مقمرة من ليالي الحملة الإنتخابية 2003 وقف الطنجاوي عبد الرحمان اليوسفي َوبجانبه المثقف و المفكر خالد عليوة، يعد البيضاويين بأن الألفية الثانية
هي إعلان لإنتشال المدينة من مسار يحطم كل ذاكرتها،
قبل هذا التاريخ كان إدريس البصري يمسك بزمام المدينة عبر أعوانه، ومَنْ كانوا يَأْتَمِرُونَ بأوامره، ووضعهم على رأس المجالس البلدية، وعلى رأس العمالات، ومجالس العمالات، رغماً عن إرادة النَّاخِبين، وأصحاب المال، ممن اسْتَعْمَلَتْهُم الأحزاب «الإدارية»، في استغلال فقر الناس، وحاجتِهم، لضمان مقاعد في مواقع القرار.
فالدولة ساهَمَتْ في تَرَدِّي أوضاع المدينة، وكانتِ الطَّرَفَ المسؤول عن هذا التّرَدِّي، لأنَّ هؤلاء الذين يَرْهَنُونَ مصير المدينة في يدهم، جاؤوا إلى هذا المكان برغبة، وبقرار من السلطة نفسها، التي طالما حاربت الأحزاب اليسارية، ومنعتها من الوصول إلى هذه المجالس، أو أزَاحَتْها من بعض هذه المجالس.
ولكن محاولة اليوسفي و الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية باءت بالفشل، ولم يتقدم خالد عليوة لرئاسة مجلس المدينة وترك خوض هذا الغمار لحزب الإستقلال بترشح كريم غلاب.
لم يتخلف أي عضو في مجلس المدينة المنتخب حديثا عن جلسة انتخاب العمدة. وشارك كل الأعضاء، وعددهم 131 عضوا، في عملية الاقتراع، ولم تكن هناك أية ورقة ملغاة. وحصل ساجد على 86 صوتا فيما حصل منافسه على 45 صوتا وشكل انتخاب ساجد مفاجأة،
وهكذا تبخر الحلم لتواصل الأحزاب الإدارية بتحالف مع أصحاب المال تسيير مدينة الدار البيضاء قبل أن تسلم بعد الربيع العربي للإسلاميين الذين يسيرونها إلى الآن، والواضح انهم يسيرون المجالس لكن لا يسيرون المدينة!!
لم أجد وصفا بليغا لحال المدينة اليوم أكثر مما كتب بألم احد أبناء الدار البيضاء الذين غادروها بالإكراه يقول الشاعر المغربي صلاح بوسريف بمقال له بهسبريس:
غادرنا مدينة الدارالبيضاء، لأنَّنا اسْتَشْعَرْنا ما هو قادِمٌ من
مشكلات، كون الأمكنة التي كُنَّا نرتادُها، بَدَأت تعرف تراجُعاً في كل شيء، في إنْسانِها الذي لم يعُد هو نفس الإنسان، وفي عُمْرانِها الذي لم يعد هو نفس العُمران، وفي طُرُقها التي تحوَّلت إلى كمائن لسائقي السيارات، وغيرهم من مستعملي الطُّرُق، لِما فيها من حُفَر، ومطَبَّات، لا أحدَ يرغب في إصلاحها، وحين تنزل الأمطار، تزداد هذه الطُّرُق فَدَاحَةً، رغم أنّ جميع مُسْتَعْمِلِي هذه الطُّرُق، باستثناء سيارات المخزن، يُؤَدُّون ضريبةً، إجْبَارِيةً على استعمال هذه الطُّرُق.
الحدائق العامة، تحوَّلَتْ إلى مَرَاتِع للمُنحرفين من الأطفال والشُّبَّان، وبعضُها أصبح مكاناً لجمع النّفايات. الفضاءات العامة، احْتُلَّت من قِبَل الباعة المتجولين، والفَرَّاشَة، وأصحاب الطاكسيات الكبيرة، الذين لهم دور كبير في فوضى الطُّرُقات بالمدينة.

سدي علي ماءالعينين
غياب الأمن، وانتشار الأزبال في الأزقة والشَّوارِع، وانتشار كثير من الظواهر السلبية، مما أسَاءَ لصورة المدينة وسُمْعَتِها..

كل هذا وغيره، مما بدأت معالمه تظهر، آنذاك، كان السَّبَبَ الرَّئِيسَ في اتِّخاذ قرار المُغادرة، دون تَردُّد
الأحياء الشعبية، أو المُهَمَّشَة، بالمدينة، ازْدَادَتْ اكْتِظاظاً بالسُّكَّان، والبيوت التي كانت تَأْوِي الأب والأم والأبناء، أصبحت تأوي، الأب والأم والأبناء، وأبناء الأبناء، دون اهتمام المسؤولين بهذه المشكلة، التي كان لها تأثير كبير على البنيات التحتية لهذه الأحياء، من مثل الطاقة الاستيعابية لمجاري الواد الحار، وغياب المستشفيات، داخل هذه الأحياء، والمدارس، التي أصبحت لا تحتمل عدد الوافدين عليها، فالقسم الواحد يتجاوز عدد التلاميذ فيه الخمسين تلميذاً، لأنَّ المساحات الفارغة، بهذه الأحياء، كُلُّها تَحَوَّلتْ إلى عمارات، أو أحياء سكنية، داخل هذه الأحياء نفسها، وهذا بدوره، أزَّمَ الوضع أكثر، وفاقَمَ من مشكلات البنيات التحتية، التي لم تعد تحتمل كل هذا الكَمّ من الناس، عِلْماً أنَّ هذه البنيات هي نفسها التي تَمَّ تشييدُها في الستينيات من القرن الماضي، ومنها ما تَرَكَه الفرنسيون وراءَهُم،
عشية اليوم ونحن في عز الحجر الصحي تنقل لنا مشاهد من شواطئ البيضاء حيث ساكنتها يلعبون ويتنزهون و يمارسون الرياضة على الشاطئ غير آبهين بقرارات الدولة ولا بتواجد السلطة، مع ان جهتهم تحتل المرتبة الأولى من الإصابات بلا منازع.
حتى رجال السلطة وسط الأحياء الشعبية يجدون صعوبة في إقناع الناس للبقاء بمنازلهم، لسبب بسيط ان تلك المنازل التي اعتمدتها الدولة كتعويض عن دور الصفيح هي عبارة عن مقابر جماعية عمودية لا تتسع للأسر، ولا يتوفر محيطها على ابسط شروط العيش الكريم.
هو قرار الدولة بعد إحداث 16ماي ان تفك التجمعات الصفيحية لتحولها لصواريخ عمودية من العمارات غير منسجمة مع ذهنية بيضاوة.
ونحن نبكي على تاريخ هذه المدينة لابد أن نعرج في هذا المقال على محطات حافلة من مدينة ناس الغيوان والرجاء العالمي و وداد الأمة.
أُذَكِّر هنا،- يقول الشاعر صلاح بوسريف – بما فعلتْه السلطة، مع المناضل الراحل مصطفى القرشاوي، الذي كان رئيسَ أحد مجالس المدينة، كمرشح باسم «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةأيَّامَ العِزّ . فمقر مجلس مولاي يوسف، ببنائه الهرمي، شاهد على هذا، وكذالك حديقة سندباد، التي تَمَّ طَمْسُها، شاهدة هي الأخرى على ذالك، وهذا ما يمكن قَوْلُه على جماعة المعارف، بما عرفته من ازدهار، دفع الملك الراحل الحسن الثاني ليستشهد، في أحد خطاباته، بهذه الجماعة، باعتبارها مثالاً للمسؤولية، آنذاك، وللعمل الجماعي الجاد، الذي قَدَّم خدمات كبيرة للثقافة والفن، باستحداث قاعات للمحاضرات والندوات والعُروض، ناهيك عن البرامج الثقافية الكبيرة التي شملت كل شرائح، وفئات الناس، دون تمييز. هذا تاريخ أعرفُه جيِّداً، لأنني كنتُ في قلبه، وأحد الذين كان لهُم فيه دور، بما أتاحَتْهُ لنا هذه الجماعة من إمكانات للعمل، لم تَعُد مُتاحَةً اليوم. أسماء الأزقة والشوارع، دليل على التاريخ الثقافي.
اليوم ليس من المزايدة ان نستفسر حزب العدالة والتنمية عن ماذا انجزه بالبيضاء باغلبيته الساحقة؟
و نسأل السلطة التي سعت منذ سنوات إلى مخطط إعادة البنية التحتية للمدينة:في ماذا تجدي هيكلة مدينة فقدت روحها، ورمت بشبابها إلى اوكار المخدرات و الجريمة والإرهاب؟
حسرتي على مدينة الأمازيغ التي زاغت عن تاريخها،
تعتبر البيضاء العاصمة التجارية والاقتصادية للمملكة المغربية، وتحتلّ المرتبة الأولى من بين المدن المغربية من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحة أراضيها 873 كم²، وتسمى أيضاً باسم مدينة كازابلانكا. ويعتمد اقتصادها على كلٍ من: القطاع الصناعي كصناعة النسيج، والسيارات، والمواد الغذائية، والإلكترونات، وقطاع إنتاج وتصدير الفوسفات والحبوب، وقطاع الاستثمارات الأجنبية، وقطاع المؤسسات المالية كالبنوك والبورصة، والقطاع السياحي.
تأسست المدينة على يد أمازيغ مملكة بورغواطة في العام 768 ميلادي وكان اسمها (آنفا)، وحسب الروايات التاريخية تحدث الزياني بأنّها تأسست على يد الأمازيغ بعد انتقال الزيانيين إلى تامسنا وتادلة، وتحدث ليون الإفريقي (ابن الوزان) بأنّها تأسست على يد الرومان، وآخرون تحدثوا بأنها تأسست على يد الفينيقيين، لكن أغلبية المؤرخين يرجحون تأسيسها على يد الأمازيغ الزناتيون.
ذلك هو تاريخ البيضاء الذي لا حفظه الأبناء، ولا يحافظ عليه الآباء.
إنها مدينة بلا ملامح، تفقد بريقها لتتحول إلى غول كبير يخرج من تحت سيطرة اي قانون، ولا تحكمه اية قيم،
غول يجسد كل أمراض المغرب الإجتماعية، ويتحول هذا الغول تدريجيا إلى خطر يهدد كل البلاد، لأن ساكنة المدينة تعبت من الوعود ومن البرامج السطحية ومن المقاربات المناسباتية.
الدار البيضاء هي المغرب مختزلا في مئات الكيلومترات وثلاثة ملايين مغربي و مغربية يبكون دموع الدم على مدينتهم ومستقبلهم.
فهل تعتبرون ؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*