اليسار الآخر المعاصر…أو ماذا يريد المصطفى المريزق؟

اليسار الآخر المعاصر…أو ماذا يريد المصطفى المريزق؟ ج:3

” إلى متى يبقى اليسار مجرد ظاهرة صوتية، يلوك الكلام النخبوي أكثر من التجذر الجماهيري؟ أليس الزمن زمن انبعاث اليسار من جديد؟ !”-المصطفى المريزق، أوراق الطريق الرابع، كرونيك إعادة البناء، الركيزة الثامنة: مقاومةالنخبوية”.

في تشريحه لواقع اليسار  المغربي، و مقارنته بين قيم اليسار الكونية  و ممارسات اليسراوية المغربية،       و آفاتها التحريفيةـ  يرى عراب الطريق الرابع المصطفى المريزق أن من بين أسباب ضمور صوت  التيارات اليسراوية المغربية مجتمعيا،  فضلا عن انفصالها عن قضاياه الحارقة، و مطالب الجماهير الراهنية،   و قوعها في  وجوه من التعارض الثلاثي، اللاعقلاني، نجملها في ما يلي:

  • التعارض بين الحلم بالتجذر الجماهيري و السقوط في النخبوية:

تعرض المصطفى المريزق في الركيزة الثامنة  بالنقد لهذا التعارض الذي وقع فيه اليسار المغربي، و عده من  العلل التي ساهمت في فشل اليسار  و حرمته من  أن يتجذر  أفقيا و عموديا في المجتمع، و بخاصة في جغرافية الهامش و الجبال و السهول و السهوب، و ضواحي المدن، حيث نصّ على أن مأزق اليسار المغربي، يكمن في سوء علاقته بالجماهير الشعبية، و نظرته إلى مكوناتها، هذه النظرة التي اتسمت بالفوقية المركزية، حيث وقر في صدور المنتسبين لليسار المغربي و لا شعورهم الجمعي،  أن الفكر اليساري هو فكر نخبوي خاص بخاصة الخاصة، لا العامة، مما جعلهم  يديرون ظهورهم لكفاءات الهامش الصاعدة، و القرى و المداشر التي تركوها لعقود خاضعة لسلطة أعيان القبائل،  و الفكر الطقوسي  الشعبوي، الذي عرف  اليمين المحافظ كيف يستغله لصالحه، و يبسط سيطرته التامة على  سكان البوادي و  الجبال  و  السهوب سياسيا، و اقتصاديا، و ثقافيا، لعقود طويلة، حتى ترسخت في وعي أبناء الهامش أن السلطة هي سلطة القبيلة و أنه لا صوت يعلو على صوت شيوخ القبيلة، رغم امتعاضهم النفسي من ممارساتهم اللاشعبية  التي  خلقت طبقتين : طبقة الأعيان السادة، و طبقة الكادحين/الخدم.

فاكتفاء اليسار المغربي، بالنضال المركزي، في الحواضر الأكثر تمدنا، باعتبارها  الأقدر على تمثل قيم اليسار، و مقولاته النظرية، و الانخراط في تياراته، جعل التيارات اليسراوية تنظر  لجغرافية الهامش     و أبنائها كعنصر ثانوي، غير مؤثر  في المشهد السياسي، و حتى لا يعاب صنيع اليسراوية المغربية                و اختياراتها النخبوية، التي بموجبها  فضّلت سكان المراكز  على سكان الهوامش، عوّضت هذه النقائص بممارسة تدليسية أكثر فداحة، تمثلت في الحضور المناسباتي  الباهت، المتسلح  بظاهرة الشعاراتية، التي تتغنى بالفلاحين و العمال و الكادحين في الجبال و السهوب و ضواحي المدن، دون أن تقدم لهم شيئا مملوسا، مما جعل  سكان الهامش لا يرون من  اليسار غير  لفظه و خطابات المحسوبين عليه المناسباتية   و أبواقه الشعاراتية، التي لا فعل يزكيها، و بهذا  ساهم اليسار  في صورته النخبوية من حيث يشعر و لا يشعر  في تكريس نفود أعيان القبائل  التي يحركها زعماء اليمين المحافظ، الذين مكنوا لها، و جعلوها تتحكم في المشهد السياسي و الحزبي المحلي و تبسط سلطانها و تجذرها  السلطوي على أبناء القرى و  القبائل  و  المداشر.

 

من هنا، نص المصطفى المريزق على أن مهمة  اليسار  المعاصر المتجدد، تكمن في وضع حد لهذا التعارض، من خلال جعل قيم اليسار  و الفكر اليساري جماهيريا، و مقولاته في متناول الجميع، فضلا عن انطلاقه  نضاليا و  تأطيريا من  مغرب الهامش، قصد إعادة الاعتبار لسكانه، و تحرير أبنائه من سلطان القبيلة، و  كل الخطابات الشعبوية و المرجعيات الرجعية التي تقف عائقا أمام نهضة مغاربة الهامش،  و تقدمهم في مختلف مناحي الحياة.

  • التعارض بين القول بالتحديث و السقوط في الماضوية :

وقف المصطفى المريزق عند هذا التعارض بشكل واضح في الركيزة العاشرة التي اجترح لها مفهوما خاصا و لافتا للانتباه وسمه بــ  ) السلفية اليسارية(،   و بيَّن  فيه أن من مهام الطريق الرابع  و هويته اليسارية المعاصرة مقاومة هذه السلفية اليسارية التي سقطت في تعارض مقيت، لا يمت للفكر اليساري بصلة،  حين زاوجت بين النقيضين: القول بالتحديث، و السقوط في الممارسات الماضوية.

حيث انتقد المصطفى المريزق، عمى اليسار المغربي المؤدلج، الذي نقل ممارسات  تيارات اليسار العالمي دون نقد لها، أو  تقويم، أو توسيع  أو محاولة تبيئة بما يلائم الراهن المغربي و قضاياه.

فقد التفت المصطفى المريزق من خلال تتبعه لنشأة اليسار المغربي و أطواره و تقلباته التاريخية، و مآل ما تبقى من اليسار،  إلى نقطة مهمة في تاريخ اليسار المغربي، تتمثل في كون   اليساريين المغاربة تبنوا الفكر اليساري، في مرحلة بداية ضموره في الغرب، بمعنى أن اليسار المغربي انطلق في وقت أفول نجم اليسار العالمي، كتجارب، مما جعل ممارساتهم تتسم بالتقهقر  نحو الماضوية، حيث أدت هذه الانطلاقة المتأخرة، إلى  تمذهبهم بمذهبية النسخ الأخيرة المشوهة من اليسار العالمي، لا اليسار  الحق الذي أرسى دعائمه المؤسسون، فكرا  و ممارسة، و قيما مثلى.

من هنا، سقط اليسار المغربي جراء تمذهبه المشوه، في التعارض بين الدعوة إلى التحديث، و السقوط في شراك السلفية اليسارية التي نجم عنها  بلقنة اليسار المغربي حزبيا، و تشرذمه، و تصارع تياراته، على غرار الصراع الذي نشب بين تيارات اليسار العالمي الراديكالية، التي اختارت التنازع حول شرعية تاريخية وهمية، بدل  مناهضة اليمين الرأسمالي عدوها المباشر أنذاك.

و قد أفرز هذا التعارض الذي تخبط فيه اليسار المغربي تحوير  قيم الفكر اليساري الحق، و الانزياح عن قيمه المثلى، و الانفصال عن قضايا الجماهير، و استبدالها بصراع وَاهٍ بين تيارات اليسار المغربي حول الشرعية التاريخية، و ادعاء كل طائفة أنها النموذج الأمثل للفكر اليساري، متناسين أنهم لم يتبنوا الفكر اليساري بقدر  ما تبنوا نسخه المتأخرة المشوهة التي يمثل التيار الستاليني أشنع صورها.

إسماعيل علالي

و لا يخفى أن هذا التعارض، قد جعل دعاوى التقدم و التحديث و محاربة الرجعية، و مناهضة التخلف، و الجمود مجرد ألفاظ خالية من معانيها الحقيقية، مما جعل الجماهير الشعبية تستشكل صلتها باليسار المغربي، فتعبر عن انتصارها لقيمه المثلى المبثوثة في نصوصه التأسيسية، و  كفرها بممارسات السلفية اليسارية التي سقطت فيها تيارات اليسار المغربي.

من هنا عبر المصطفى المريزق، في الطريق الرابع إلى أن راهنية اليسار  المعاصر المتجدد، تتمثل في تفكيكه لهذا التعارض و تجاوزه، و القضاء على السلفية اليسارية بخلق هوية يسارية معاصرة حداثية موسعة علميا و عمليا.

3-التعارض بين الاستقلالية و تبعية القراءات اليسارية.

من أوجه التعارض التي وقع فيها اليسار المغربي من منظور عراب الطريق الرابع، هو مجاهرته الشعاراتية بضرورة استقلال  الشعوب  و تحرر الجماهير من هيمنة الرأسماليات، و  الخطابات الرجعية الماضويةـ، و  جبروت اليمين و سطوته على خيرات البلاد و تغلغله في مختلف المجالات، مع تبعيته الكلية للقراءات اليسارية اللينينية و الماوية و الستالينية و التروتسكية، تبعية عمياء، دون محاولة نقد خطابها، و  اتخاذ موقف من ممارساتها، وتبين نقاط ضعفها، و أخطائها كالأخطاء  التي أحدثتها القراءة الستالينية للفكر اليساري، و التي أدت إلى ميلاد يسار  راديكالي دموي قمعي،  أزهق الأرواح  في العالم باسم الفكر اليساري و شوه قيمه و أدبياته ارضاء لقراءة أحادية متعصبة و مؤدلجة عبرت عنها  تعبيرا صريحا  كما أشرنا الممارسة الستالينية التي ألهمت كل المتعطشين لإراقة الدماء،        و قمع الشعوب.

حيث يرى المصطفى المريزق، أن هذه التبعية العمياء للتيارات الراديكالية التي سقطت سهوا في ليل اليسار الدامس، حرمت اليسار المغربي من استقلاليته، عن تجارب اليسار العالمي المشوهة، و اتخاذ مسافة منها، و  تقويمها تقويما نقديا، قصد تبيئة  يسار مغربي معاصر  يشبه المغاربة، رهانه النضال من أجل الحرية و العدالة و المساواة،  لا الإجهاز على  اليسار  و  تغييب قيمه باسم الشرعية التاريخية،                و  ديكتاتورية الزعيم، و العنف الثوري.

إن يسار  الآخر المعاصر الذي يتبناه الطريق الرابع، هو يسار التحرر من ضروب التعارض  الثلاثة اللاعقلانية التي سقط فيها اليسار المغربي القديم، و ما تبقى من يسار اليوم، إنه يسار  تقدمي جماهيري حداثي متجدد، و مواطن موصول بقضايا المجتمع ، ملتحم مع الجماهير، في القرى و الجبال   و السهول و السهوب، و مستقل في مواقفه، و عقلاني في رؤاه،  و عملي في ممارسته، و حداثي في اختياراته،  و متصد لكل أشكال السلفية الفكرية، و الممارسات الشعبوية ، و الخطابات الفاشية النكوصية.

 

يتبع…..

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*