الطبقة العاملة المغربية بين مطرقة كورونا وسندان المذكرة الابتزازية لأرباب العمل

الأستاذ: يوسف مكوري

أخيرا وبعد طول انتظار أطلقت الحكومة مشاورات وطنية حول سيناريوهات الخروج من الحجر الصحي الشامل، خاصة إعادة إنعاش وانطلاق الاقتصاد الوطني الذي عاش حالة من التوقف “الجزئي” الاضطراري في إطار الإجراءات الاحترازية لمحاصرة الجائحة.

حيث  زاد هذا الوضع الاقتصادي المنكمش في تعميق الازمة الاجتماعية، التي تنضاف الى واقع اقتصادي واجتماعي يعاني مند عقود من أزمة هيكلية.

أسبابها متعددة متشابكة ومعقدة، تأتي في مقدمتها طبيعة الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بشكل كبير ووثيق بأجندة وإملاءات المؤسسات المالية العالمية، إضافة إلى الآليات المتحكمة في تدبير الاقتصاد الوطني والمرهونة بعقليات لتشكيلات اجتماعية هجينة ذات نفود سلطوي وسياسي وثقافي. قوى حاضرة بقوة في مراكز صناعة القرار على مستوى الدولة والأحزاب السياسية، ناهيك عن هيئاتها وتنظيماتها القوية المتحكمة في المجال الاقتصادي والمالي. في ظل هذه الشروط المختلة وغير المتكافئة يتم التفكير والتخطيط لسيناريوهات إعادة انطلاق الاقتصاد الوطني، حيث قدم أرباب العمل -من خلال الاتحاد العام لمقاولات المغرب- مذكرة تعرض وجهة نظرهم لإنعاش الاقتصاد الوطني، ومن أهم ما جاءت بها:

أولا: طلب دعم مالي عمومي يصل إلى 100 مليار درهم من أجل إعادة الحياة لسلاسل الإنتاج، مطلب مالي ضخم وكبير من أموال دافعي الضرائب، دون أن تدقق وتسطر على الالتزامات الاجتماعية مقابل هذا الدعم الذي يفوق قدرات الموازنة العامة، أي أن هذه الأموال ستذهب إلى أشياء غير توسيع وخلق فرص الشغل وتحسين وضعية العمال، وخلق القيمة وتوسيع الوعاء الضريبي، مذكرة الباطرونا تريد الدعم العمومي السخي دون أي التزام اجتماعي.

ثانيا:إنها تعلن في مذكرتها نية التراجع عن التزامها بالشطر الثاني من الزيادة في الحد الأدنى للأجور ب 5% ابتداء من فاتح يوليوز 2020، وفق مخرجات اتفاق 25 أبريل 2019، موقف أقل ما يقال عنه أنه مسيء واستفزازي يضرب في مقتل معنويات الطبقة العاملة -الرأسمال البشري- التي هي قطب وعصب حياة المقاولة، وهي الأداة المحورية في عملية الإنعاش الاقتصادي، موقف يهز أركان مبدأ التضامن الذي يشكل الأرضية الصلبة لمواجهة الجائحة ومحاصرتها رغم أن أغلى وأكبر التضحيات قدمتها ومازالت تقدمها الطبقة العاملة وكافة المأجورين بكل أصنافهم المهيكلة وغير المهيكلة وعموم فقراء الشعب المغربي.

في ظل هذا الحس الوطني التضامني الراقي تعمل منظمة أرباب العمل علىتعكير صفو هذا المناخ الإيجابي باستعراض القوة في ظرف وطني صعب وخطير، مستغلة ميزان القوى لصالحها لتوجيه “الضربة القاضية” للطبقة العاملة، مما يجسد فعليا كون الرأسمال لا مشاعر له.

وما يزيد الطين بلة في دفعات الباطرونا هو تبريرها لنيتها وقرارها هذا، كون الحكومة والحركة النقابية لم يلتزما بما تم الاتفاق عليه من:

  • تعديل مدونة الشغل.
  • إخراج القانون التنظيمي للإضراب.
  • إشكالية (CDD) عقد الشغل المحدودة المدة.

ثلاث نقط يعتبرها أرباب العمل قضايا استراتيجية لا يمكن التنازل عنها قيد أنملة، بحيث تصارع من أجل إعادة فتح النقاش حول مدونة الشغل وخاصة فيما يتعلق “بمرونة العمل” بمعنى إطلاق العنان لها للتحكم في مصير اليد العاملة والإجهاز على استقرار مناصب الشغل، مما يمكنها من السيطرة على عالم الشغل وتقويض ومحاصرة العمل النقابي، وبالتالي القضاء على الحركة النقابية الأصيلة والمستقلة باعتبارها آخر المعاقل “المعادية” التي يصعب التحكم فيها من الداخل فيزيقيا، لأن رب العمل يمكنه النفاد إلى الحزب -وهو واقع الحال- لكن يستحيل ذلك مع حركة نقابة خبرت دروب الكفاح الوطني التحرري و النضال العمالي و الديموقراطي.

ثالثا:  تلهث الباطرونا وراء مصادرة أهم وأقوى أسلحة الطبقة العاملة ألا وهو حق الإضراب من خلال إخراج قانون تنظيمي تكبيلي ، بحيث يصبح من باب المستحيل القيام به، في ضرب سافر لهذا الحق المضمون دستوريا وبكل القوانين الدولية الإنسانية، وكذلك اتفاقيات وتوصيات منظمة العمل الدولية المصادق عليها من طرف المغرب.

معركة الباطرونا ضد الطبقة العاملة المغربية تهدف إلى تجريد العامل من كل وسائل الدفاع القانونية والأخلاقية وأدواته الحقوقية والتاريخية، فهي لا تكتفي بتلك القوانين المشؤومة الموروثة عن الاستعمار الغاشم مثل الفصل 288، بل تريد مصادرة ذلك السلاح التاريخي الذي ألهم الشعب المغربي وساهم بشكل حاسم في جلاء الاستعمار.

إن الرأسمال لا يؤمن بالتاريخ والجغرافية وأساطير الأولين ولا بالقيم والمشاعر النبيلة الوطنية والإنسانية … إن همه الأصيل الوحيد الأوحد هو تكثيف استغلال الطبقة العاملة دون شفقة ولا رحمة، خاصة إذا كان رب العمل من طينة هجينة مزيج من الفكر العبودي الاقطاعي والرجعي وقليل من البهارات “البورجوازية” الشرقية الجوفاء فكريا، والاستبداد، خلطة معادية لحقوق الطبقة العاملة، وهي نفس الخلفية المتحكمة في تشبتها بالنقطة الثالثة المتعلقة ب (CDD) عقد الشغل المحدودة، بنفس الروح الاستئصالية لاستقرار مناصب الشغل.

رابعا: مذكرة الباطرونا تهدف كذلك إلى فرض منطقها وشريعتها من خلال إقرار البطالة الجزئية لكل المقاولات، وتخفيض الأجور إلى 50% إلى غاية انتهاء الأزمة الصحية إذا أردنا منها الحفاظ على مناصب الشغل.

مجمل رؤية الاتحاد العام لمقاولات المغرب لإعادة انطلاق الاقتصاد الوطني، تدشن لمرحلة جديدة من الصراعولعلاقات انتاج غير متكافئة في ظل وضع وطني محفوف بكل المخاطر ومفتوح على كل الاحتمالات بالنظر إلى طبيعة الخلفية والعقلية لممثلي الباطرونا بمنطقهم الابتزازي ونواياهم الاستفزازية وهم يطلبون الدعم العمومي الذي هو في الأصل مال عام من الملزمين بالضرائب وفي مقدمتهم الطبقة العاملة وكافة المأجورين.

مذكرة تدق ناقوس الخطر بالنسبة للطبقة العاملة وكافة المأجورين وعموم الشعب المغربي، تفرض على الحركة النقابية الأصيلة والمستقلة استخلاص الدروس والعبر، لرفع التحدي على المستوى القريب والمتوسط. مذكرة  تفرض الوعي العميق بخطورة المرحلة التاريخية التي تجتازها الطبقة العاملة المغربية التي لا سبيل لها إلا المحافظة على خطها النضالي والكفاحي وتقوية تحالفاتها الطبيعية والمحافظة على سيادتها واستقلالية قرارها.

مذكرة تريد إعطاء الضوء الأخضر لتسييد شريعة الأقوى وتركيع الطبقة العاملة ومن خلالها الحركة النقابية التي مهما كان ضعفها ستكون عصية وشوكة في حلق من سولت له نفسه إذلال الطبقة العاملة المغربية التي لم تقل كلمتها بعد، والتي كانت وستبقى الكلمة الفيصل في مثل هذه الظروف التاريخية العصيبة التي يمر منها الشعب المغربي.

الأستاذ: يوسف مكوري

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*