الطلاق بالمغرب: ” هول الأرقام وفضاعة الآلام” 

بقلم سدي علي ماءالعينين

أكادير ،يونيو ،2020, 

توفي سي عبد الرحمن اليوسفي، ووسط موجة التأبين إهتمت أقلام بأرملته، وكيف أنهما عاشا قصة حب تجاوزت السبعين سنة، رغم المنافي والمعتقلات ، ورغم مرحلة التناوب و الإغراءات،
الرسالة التي أراد المغاربة التعبير عنها هي أن مسؤولين في طريقهم إلى أمجاد السياسة تعثرت مؤسسة الزواج في الطريق بين طلاق، أو زواج جديد يتناسب مع المنصب الجديد؛!!
في المناطق الصحراوية كانت المطلقة تعود إلى بيت أهلها بالزغاريد، وتلقى الحضن والرعاية من القبيلة والأسرة و الإخوة،
لكن ذلك كان زمان، حين كان الطلاق محدودا، و حين كانت تعود المطلقة وهي في ريعان شبابها، فيما اليوم الطليقات والمطلقات يعدن إلى اسرهن بعد سنوات طوال من الزواج، و برزمة من الأبناء!!
أرقام الطلاق في المغرب مخيفة ومرعبة، و صمت المجتمع عن نقاش الأسباب افضع وأمر، فيما الحكومة والصحافة و الأحزاب والجمعيات يناقشون قوانين الطلاق وسبل تطويرها لحماية المطلقة،
لا أحد طرح السؤال، كيف ان عدد المطلقات سنويا بالمغرب يتجاوز 110الف مطلقة، مما يعني أنك وانت تقرأ هذا المقال قبل الإنتهاء منه تكون قد حصلت قرابة ثلاث حالات طلاق!!
ولو أردنا التعمق اكثر في سرد الحالات ومدة الزواج سنصاب بالدهول، بين زواج لا يدوم اكثر من شهر العسل وينتهي بطلاق، و بين زواج دام أربعين سنة وادرك بعدها الزوجان او أحدهما ان الإستمرار مستحيل.
وطبعا بعد كل طلاق حكاية مسار في المحاكم من نفقة ومتعة و جبر الضرر وغيرها من الكلمات التي تثير التقزز والإشمئزاز.
يحكي قاضي أسرة أمضى حياته في المحاكم مستغربا من تفاهة أسباب الطلاق، و من إستحالة الصلح بين الزوجين، ومن الهشاشة الإجتماعية و الإقتصادية للأزواج ، ومن حجم الأمية وأحيانا السذاجة والبلادة وإنعدام الوعي، ليعلق قائلا:ما هو مؤكد ان مؤسسة الزواج فقدت هبتها وقدسيتها ”
سجل المغرب عام 2013 حوالى 40 ألف حالة طلاق، وعام 2017 وصل ذلك العدد إلى 100 ألف حالة، أي بمعدل 8333 حالة طلاق في الشهر، 277 في اليوم و11.5 في الساعة،
كان ذلك قبل ثلاث سنوات،
الأرقام اليوم في تزايد مهول ومخيف، فبقدرما يتباهى المغرب بنسب الزواج لمواجهة ظاهرة العنوسة و الزواج المتأخر، و يعيش صيفه في الاعراس والأفراح والامراح، فإن باقي فصول السنة كلها جلسات محاكم وطلاق وشقاق!!!
و اليوم الدولة منشغلة بعدد الشركات التي ستعلن إفلاسها بعد حالة الطوارئ، لكنها ستجد نفسها أمام وضع آخر يتمثل في إعلان إفلاس علاقات زواج بعد الحجر الصحي،
يقول صديق يشتغل بمصلحة تلقي الشكايات بمديرية الأمن بإحدى المدن الكبرى :“ قبل الحجر كنا نتلقى شكاوي السرقات، و شجار السكارى، و عربدة المشردين و أصحاب المخدرات، لكن في مدة الحجر الصحي، غالبية المكالمات، إن لم أقل كلها، تخص الشجارات والخصومة بين الأزواج تصل إلى تبادل العنف وبإشراك الأبناء!!!“
وهذا يعني ان صيف هذه السنة سيكون صيف جلسات الطلاق اكثر من حفلات الأعراس والليالي الملاح…
يصعب في مقال كهذا أن نفتح النقاش حول اسباب إنهيار مؤسسة الزواج بالمغرب مع الأجيال الجديدة، و لا ان نخوض في معايير التأهيل للزواج، ولا عن إدماج المطلقات وحتى الأرامل في المجتمع، ولا ان نتحدث عن التزايد المهول لأرقام العنوسة وفي نفس الوقت أرقام الطلاق!!!
ولا عن مصير أطفال الطلاق وشروط وظروف النشأة ومنازل الأسرة، ونظرة المجتمع وتهم الدعارة عند الأمهات، والمشاكل النفسية عندهن وعند الأطفال…
عندما كنت رئيسا لفدرالية التضامن الجمعوي وجهت لي دعوة للمشاركة مع سلك القضاء في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، و اتذكر ان فاعلة نسائية طرحت مداخلة تلوم فيها القوانين المغربية التي لا تتضمن فصولا زجرية لإرغام الزوج على أداء النفقة مما يعرض اسرا واطفالا للتشرد.
الرد جاء سريعا َمضحكا في تصويره للواقع ومبكيا لأنه الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها؛:
” ماشي غير كل جوج تلاقاو في الجردة او طوبيس او في عرس او باب لوزين، بعد صيمانة تحابو ومشاو تزوجو، وما دار العام حملات المرأة وولدات، وبعدها طلقات وبغات النفقة من واحد تزوجاتو ماعندو خدمة ولا مدخول قار، وسكنات معاه بإسم الحب، ولا غير باش تسمى مزوجة في بيت فوق السطاح، ولا مع العائلة، ولا في دار الكراء، وبعد الطلاق جاية كطالب بالحقوق، وهو داير يديه فوق راسو كايقول ماعندو مايعطي ،واش هذا ندخلوه للحبس ولا نشنقوه،
لي بغات تزوج تراعي شروط الزواج باش ماترجع وتندم، وتقول للدولة حميني، ”
واذكر يومها كيف تفاعلت القاعة مع هذا الرد، و الذي لا يجيب على سؤال النفقة، ولكنه في عمقه يعطي توجيها إلى أن اللقاء الذي تم بالحديقة والحافلة والعرس و…. يجب أن يقود إلى أي شيئ إلا الزواج!!!!
الضحية في ” زواج لعب الدراري ” الذي أصبح موضة العصر ،هو النساء واطفال الطلاق،
لكن المتضرر الأكبر هو المجتمع، ومستقبل الأجيال القادمة.
لا تنسى عزيزي القارئ مهما كان وعيك بهذا الوضع الخطير انك، وانت تقرأ. وأنا، وانا اكتب لم نستطع معا منع حدوث على الأقل ثلاث حالات طلاق تمت اللحظة بالمغرب.
لذلك يتباهى المغاربة بالمجاهد سي عبد الرحمان اليوسفي وارملته الفرنسية لأنهما عاشا قصة حب دامت اكثر من سبعين سنة،، وقادتهما إلى المجد، فيما هذا الجيل تدوم سبعة ايام كالمشماش وتقود إلى ردهات المحاكم.
وقد حان الأوان لفتح نقاش عميق ومجتمعي حول سؤال:لماذا إنهارت مؤسسة الزواج بالمغرب؟
فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*