“كوفيد19” والنبوغ المغربي !

ليس دائما صحيحا ما يقال عن أن “الحاجة أم الاختراع”، المقولة التي طالما ظللنا نرددها بزهو منذ طفولتنا الأولى حين كنا نضطر إلى صنع لعبنا بأيدينا، كلما تعذر على أمهاتنا وآبائنا أمر اقتنائها لنا. إذ هناك الكثير من شبابنا الواعد، لا تعوزهم الإرادة والإمكانات المادية للخلق والابتكار في مختلف المجالات، بقدر ما هم في حاجة فقط إلى إيلائهم ما يستحقونه من اهتمام، ومنحهم هامشا من الحرية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم وإعطائهم فرصة إبراز مواهبهم، وفتح الآفاق أمامهم لخوض غمار تجارب العمل الجماعي وتبادل الخبرات، وتحفيزهم للكشف عن مهاراتهم ومؤهلاتهم، قصد الإسهام في تنمية الوطن بكل جدية وروح المسؤولية …

ذلك أنه بموازاة مع ما اتخذته السلطات العمومية من إجراءات احترازية واستباقية لمواجهة فيروس كورونا المستجد أو ما بات يطلق عليه “كوفيد -19” الذي اجتاح العالم، والحد من تداعياته الصحية والاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على صحة وسلامة المواطنات والمواطنين، وما رافق ذلك من تعليمات ملكية حازمة وتعبئة وطنية شاملة، تفجرت ببلادنا مجموعة من الطاقات الإبداعية في اتجاه تعزيز الجهود المبذولة لمحاولة تطويق الأزمة، حيث استطاع عدد من الطلبة والمهندسين والباحثين التوصل إلى ابتكار الكثير من الاختراعات العلمية المتنوعة والمعدات والبرامج والتطبيقات، إن على مستوى تقوية التجهيزات الطبية داخل مستشفياتنا أو على مستوى تيسير عملية “التعليم عن بعد”.

حيث أنه كان كلما تصاعد منسوب القلق في صفوف المواطنين جراء ما تتناقله وسائل الإعلام الوطنية والدولية من إحصائيات مرعبة عن تزايد أعداد الإصابات والوفيات عبر العالم، إلا وتتلوه أخبار أخرى مفرحة من هنا وهناك عن اختراع شبابنا لعدد من الآليات والأجهزة الطبية، التي تساهم بقسط وافر في التخفيف من وطأة ضغوطات الهلع التي تكاد تخنق أنفاس الناس حتى دون الإصابة بالعدوى، مما أدى بالكثير من الصحف الأجنبية إلى الإشادة بما أبان عنه المغاربة من حس وطني راق وتضامن كثيف في مواجهة الجائحة، ومنها من اعتبرت الأداء المغربي نموذجا يحتذى به.

فقد استطاع المغرب في ظرف وجيز أن يصل إلى الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالأقنعة الواقية وأجهزة التنفس الاصطناعي، بعد أن تمكنت حوالي 70 مقاولة للنسيج المدعومة من قبل وزارة الصناعة إنتاج ملايين الكمامات والملابس الواقية يوميا وفق المعايير الدولية، صممت منها عينات شفافة خاصة بالأطباء والممرضين لحمايتهم من انتقال العدوى أثناء مزاولة مهامهم، وأصبحت بلادنا من بين البلدان الرائدة والمصدرة لهذه الأقنعة العالية الجودة، حيث أنها صدرت 18 مليون كمامة إلى 11 دولة في أوربا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، وفق ما جاء في كلمة رئيس الحكومة سعد الدين العثماني يوم الأربعاء 10 يونيو 2020 بمجلس النواب، خلال تصريحه حول إجراءات تخفيف الحجر الصحي، فضلا عن تصميم أجهزة تنفس اصطناعي متنوعة، منها ما يمكن استعماله في التنفس لمريضين في وقت واحد، وهو ما جعلها تتفوق على عدة بلدان أوربية وفي مقدمتها فرنسا والبرتغال وإسبانيا.

ترى من منا كان قبل “كوفيد -19″، وفي ظل سياسات التهميش والإقصاء وخنق الطاقات الخلاقة داخل المكاتب الإدارية الباردة التي تنهجها الحكومات المتعاقبة، يصدق أن المغرب الذي مازال يعاني من عدة مشاكل اقتصادية واجتماعية وتردي الأوضاع في قطاعي التعليم والصحة، يختزن في ذات الوقت بين ظهرانيه من الكفاءات ما يضاهي البلدان المتقدمة في الخلق والابتكار؟ فمساهمة منهم في إنجاح العملية التعليمية على مستوى الإلقاء والتلقين، وتيسير التواصل عن بعد بين المتعلمين وأساتذتهم، عمدت ثلة من الشباب إلى تطوير منصات تعليمية رقمية وتجويد خدماتها لفائدة مؤسسات تعليمية، لاعتمادها في تقديم الدروس والمحاضرات وتنظيم فصول دراسية افتراضية عبر الأنترنت…

فمن النبوغ المغربي ما تم اكتشافه مؤخرا من تعدد المواهب والمهارات لدى أبناء الشعب، إذ استطاع فريق آخر من الخبراء المغاربة بتعاون مع مجموعة من المتدخلين والفاعلين والمهنيين توفير أجهزة تنفس طبية ذات التحكم عن بعد، محلية الصنع بأجزاء وقطع غيار مغربية، وتعد الأصغر حجما والأخف وزنا عالميا. كما تمكن طلبة بعض مدارسنا في التعليم العالي من ابتكار مشاريع علمية جد متميزة، تتمثل في صنع طائرة “درون” دون طيار للكشف عن “الفيروس” عبر اختبار المسحة الأنفية، وحماية الأطباء من مخاطر الإصابة، إحداث تطبيقات محمولة لتسهيل الاتصال بالمريض، وتتيح له فرصة التحقق من الإصابة وتعبئة البيانات الشخصية وإرسالها إلى الطبيب الذي يتخذ القرار المناسب.

ولا غرو أن تبادر فئة من الشباب إلى إنشاء منصات رقمية لتبادل الأفكار والتجارب، وتتداول فيما بينها مختلف الاقتراحات المرتبطة بمكافحة جائحة “كوفيد -19″، وأن يضع المكتب الشريف للفوسفاط بموقع خريبكة رهن إشارة الكفاءات الصناعية مركزا لدعم مبادرات الابتكار في التنمية الصناعية، وتحقيق تكوين مستمر يتواءم ومعايير الجودة والمقاييس الدولية، ومواكبة الاستراتيجية الصناعية…

إننا إذ نتفق على أن أزمة “كوفيد -19” تعد الأسوأ في القرن الواحد والعشرين، لما كبدت بلدان العالم أجمع من خسائر فادحة اقتصاديا واجتماعيا، فإنها كشفت في ذات الوقت عما تزخر به بلادنا من طاقات إبداعية عالية في مختلف مجالات الابتكار والاختراع والبحث العلمي، التي يستدعي الواجب الوطني الإيمان بها وتقديم الدعم اللازم لها، والسهر على حسن استثمارها في الاتجاه الأمثل، من أجل بناء ركائز مغرب جديد وأفضل…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*