واقعة “رحبة أمزاط” الشنيعة !

 

قبل حتى أن يستفيق المغاربة من آثار تلك الصدمة القوية التي أطلق عليها “ليلة الهروب الكبير”، جراء إقدام السلطات فجأة على إصدار قرار أهوج في بلاغ مشترك بين وزارتي الداخلية والصحة، يقضي بمنع التنقل من وإلى ثمانية مدن مغربية ابتداء من منتصف ليلة نفس يوم الأحد 26 يوليوز 2020 على بعد أربعة أيام فقط من حلول عيد الأضحى المبارك، دون إمهال المواطنات والمواطنين الذين اعتادوا قضاء العيد عند عائلاتهم خارج مدنهم في إعداد أغراضهم، ولا مراعاة مشاعرهم…

فإذا بهم فضلا عما بات يقلق راحتهم من تطور الحالة الوبائية بالبلاد من حيث الارتفاع المهول في الإصابات المؤكدة بجائحة “كوفيد -19” وتزايد أعداد الوفيات مباشرة بعد رفع الحجر الصحي، يفاجأون ثانية ليلة العيد بواقعة أخرى لا تقل وقعا عن الصدمة السابقة، تتمثل في انتشار مقاطع شريط مصور يوثق بالصوت والصورة لعملية سطو غريبة على عدد من رؤوس الأغنام، بسوق لبيع أضاحي العيد يدعى “رحبة أمزاط” الواقع بمنطقة الحي الحسني في الدار البيضاء.

ذلك أن نشطاء بالفضاء الأزرق سارعوا صباح يوم الخميس 30 يوليوز 2020 إلى ترويج مقاطع فيديو على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة منها “الفيسبوك” و”الواتساب”، تظهر بوضوح تام عشرات المواطنين ضمنهم مجموعة من القاصرين يتراكضون في كل الجهات وهم يجرون خرفانا، انتزعوها بالقوة من أصحابها وسط عراك شديد وفوضى عارمة أمام مرأى ومسمع من الجميع، في عملية إجرامية خطيرة غير مسبوقة ببلادنا.

والأخطر في الأمر ليس فقط ما عرفه الشريط من انتشار سريع وتحوله إلى مادة دسمة استغلتها بعض القنوات التلفزيونية الأجنبية، ولا في كون الواقعة جاءت بشكل عفوي من لدن فئة من المنحرفين، وإنما بدا وكأن القضية مدبر لها عن سبق إصرار وترصد، حيث انطلقت الأحداث بالاعتداء على بائعي الأغنام والتراشق بالحجارة، لم يستطع معه الباعة الصمود طويلا أمام وابل الحجارة المتساقطة على رؤوسهم والأعداد الغفيرة من المهاجمين، ليتم اجتياح إحدى الشاحنات المحملة بالخراف والشروع في سحب الواحد تلو الأخر…

والسرقة فعل مرفوض لكونه يتعارض وقيم مجتمعنا المستمدة من تعاليم ديننا الحنيف، باعتبارها اعتداء صريح على ممتلكات الغير بشتى السبل والوسائل، وعادة ما ترافقها حالات من العنف والتهديد بالسلاح الأبيض. وتحدث في الفضاء العام كما في الأماكن المعزولة من بيوت وغيرها. وهي كذلك فعل إجرامي تعاقب على ممارسته جميع قوانين بلدان العالم.

إذ يعتبرها القانون المغربي كباقي الجرائم الأخرى، شريطة أن تتوافر فيها الأركان المحددة قانونا، وهي الركن المادي والركن المعنوي: ويقصد من الركن المادي في وقائع الاختلاس، الاستيلاء على الشيء المنقول بغير رضا مالكه أو حائزه، ويقوم الاختلاس كركن مادي لجريمة السرقة على عنصرين: أ- سلب المال ونزع حيازة المالك له. وليتحقق معنى الاختلاس في جريمة السرقة، يتعين أن يؤدي إلى الاعتداء على حيازة منقول، وذلك بنقل هذه الحيازة نقلا غير مشروع من حوزة الشخص المجني عليه إلى حوزة المتهم بالسرقة. ب- انتفاء رضا الضحية، كأن يتم الاختلاس في نشاط يتمثل في استيلاء الفاعل على الشيء المسروق بالإكراه، وأحيانا يتم خلسة دون علم المجني عليه.

أما فيما يرتبط بالركن المعنوي، فيعتبر السرقة من الجرائم العمدية التي يتخذ فيها هذا الركن صورة القصد الجنائي، الذي يتكون من عنصرين هما العلم والإرادة. وهو في جريمة السرقة يتضمن العلم بعناصر الجريمة، أي يجب أن يعلم الجاني بأنه يستولي على منقول مملوك للغير بدون رضاه. وأن تتجه إرادته إلى فعل الأخذ أو الاختلاس، أي الاستحواذ الكامل. وبالإضافة إلى القصد، فإنه يجب توافر قصد خاص في جريمة السرقة الذي هو نية التملك.

وقد نص المشرع المغربي على عقوبات جريمة السرقة في مجموعة من الفصول: من 505 إلى 510 من القانون الجنائي، إذ نجد مثلا أن الفصل 505 ينص على: ” يعد سارقا كل من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم”.

وليست واقعة “رحبة أمزاط” هي السرقة الأولى، ولكنها الأخطر، ونخشى أن يكون لها ما بعدها. فطالما سجلنا بامتعاض شديد مشاهد إجرامية شبه مماثلة في منصات التواصل الاجتماعي، ونحن نرى كيف يتجمع المواطنون على العربات والشاحنات عند انقلابها في حوادث سير مميتة وشروعهم في نهب البضائع وغيرها، دون اكتراث بمصير الضحايا الذين يصارعون الموت.

وليس كافيا أن تبادر مصالح الأمن بفتح تحقيقات والقبض على المشتبه في تورطهم خلال الانفلاتات الأمنية الخطيرة، بل إن الأمر أعمق من ذلك بكثير ويستدعي دراسة علمية مستفيضة لمعرفة الأسباب الثاوية خلف هذه النزعة الإجرامية المقيتة.

ذلك أن ظاهرة السرقة وبصرف النظر عن كونها انحرافا اجتماعيا ومرضا خطيرا، تعود إلى عوامل عديدة منها سوء التربية وما تعانيه بلادنا من إخلالات اجتماعية واقتصادية وتراجع القيم الأخلاقية، وغيرها مما يمكن لذوي الاختصاص التفصيل فيها، فإنها أصبحت تهدد أمن المواطنين وسلامتهم الجسدية والنفسية في غياب السلطات أحيانا وتقاعسها في أخرى، علما أن الدستور يضمن حق الحماية الجسدية والتنقل الآمن للأفراد. فهلا تتضافر جهود جميع فعاليات المجتمع من أجل الانخراط في تنشئة اجتماعية سليمة والحد من هذه الظواهر الاجتماعية الفظيعة؟

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*