الفقيه الشيطان وغريزة الحيوان !

على بعد أسبوع واحد فقط من الواقعة المأساوية التي ذهب ضحيتها بمدينة طنجة الطفل عدنان بوشوف ذو الأحد عشر ربيعا على يد أحد الأشخاص القاطنين بنفس الحي والبالغ من العمر 24 سنة. وهي الحادثة المروعة التي هزت الرأي العام وخصت لها مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية حيزا كبيرا ضمن موادها، حيث أن الجاني استدرج الطفل/الضحية إلى بيته وقام بهتك عرضه ثم قتله ودفنه داخل حديقة مجاورة، في محاولة يائسة للإفلات من عقوبة الاغتصاب!

وقبل حتى أن تندمل جراح الأسرة المكلومة وتخمد نيران الغضب المشتعلة في صدور الأمهات والآباء المتخوفين على أطفالهم من مثل هذه الاعتداءات الجنسية الخطيرة، طفت على سطح الأحداث جريمة أخرى لا تقل وحشية عن سابقتها، وليس بطلها هذه المرة سوى فقيها أو “موظفا دينيا” يقوم بتحفيظ القرآن للأطفال ويعمل إماما بمسجد القرية التابعة لإقليم الفحص أنجرة. ترى كيف انفجرت هذه الفضيحة التي استفزت مشاعر المغاربة ورفعت من منسوب القلق بداخلهم على فلذات أكبادهم؟

فحسب ما يتداوله الناس بينهم في البيوت وعلى صفحات التواصل الاجتماعي وتتضمنه محاضر التحقيق، أن إحدى الضحايا روت لوالدتها قصة تعرضها المستمر لتحرش جنسي من قبل فقيه “المسيد”.

وفي لمح البصر انتشر الخبر بين الساكنة وخاصة الأمهات اللواتي ترسلن أطفالهن لتعلم القرآن بمسجد الشرفاء العجيبيين بجماعة ملوسة في قرية الرميج نواحي مدينة طنجة، وتنكشف حقيقة “الشيطان” البالغ من العمر 43 سنة والمتزوح من نفس المدشر، الذي كان متخفيا في جلباب الفقيه الأمين والإمام الورع، بعد أن رفعت لمصالح الدرك الملكي في شأن ممارساته الدنيئة شكايات مرفقة بشواهد طبية تثبت “غزواته” وما نتج عنها من افتضاض بكارة ثلاث فتيات قاصرات، مما أدى إلى اعتقاله فورا يوم الخميس 17 شتنبر 2020. ولم يتأخر في الاعتراف باستغلاله الجنسي لحوالي 12 طفلا منهم 8 إناث، جميعهم دون سن 18. إذ دأب منذ عدة سنوات على استدراج ضحاياه بشتى وسائل الإغراء لممارسة شذوذه عليهم وإشباع غرائزه الحيوانية. فكيف طاوعته نفسه على خيانة الأمانة وأن يتحول من فقيه وإمام “محترم” إلى شيطان مارد، دون أن تنهاه إمامته وترديده كلام الله عن الفحشاء والمنكر؟

كلنا نعلم أن رجال الدين والفقهاء في البلدان العربية والإسلامية عامة والمغرب بصفة خاصة، يحظون بمكانة خاصة في قلوب المواطنات والمواطنين، إذ اعتادوا على اعتبارهم قدوة حسنة ووضع ثقتهم فيهم، ليس فقط في أولئك الذين يجتهدون في التأليف واستنباط الأحكام الشرعية والإفتاء وشرح أحكام الدين للناس، وتحقيق الفهم الصحيح لما يحبه الله ويرضاه لعباده من المؤمنين والمخلصين في أداء واجباتهم الدينية والمهنية عبر القنوات التلفزيونية والإذاعات، بل حتى بالنسبة للذين يعيشون بينهم من فقهاء “تقليديين” في الكتاتيب ومؤذنين وأئمة، ممن يكرسون أوقاتهم في الصلاة بهم وتربية أطفالهم على القيم الأخلاقية وتعاليم دينهم وتحفيظهم القرآن الكريم، ويستشيرونهم في مختلف أمور الدين من فرائض وسنن ويستعينون بهم قي إصلاح ذات البين بين المتخاصمين من الجيران والأزواج، ويؤطرون حفلات أهل القرى عند الولادة والفصل في مشاكل الإرث…

بيد أنه في المقابل ابتلانا الله بقوم يستهويهم التلاعب بالعقول واستغلال الدين في دغدغة المشاعر وتحقيق أغراضهم الشخصية مهما كانت دنيئة ومرفوضة شرعا وقانونا. لا يعرفون الله، وإذا ما عرفوه استكثروا على أنفسهم تطبيق أركان دينه وتجاهلوا أحكامه الشرعية، فأين نحن مما جاء به الحديث القائل: “إن فقيها واحدا أشد على الشيطان من ألف عابد”؟ للأسف الشديد أن ما صار عليه بعض “الفقهاء” من سلوكات سيئة جد مؤلم، تقشعر منه الأبدان ويندى له الجبين، لتعارضه مع تعاليم الدين من جهة، ولما له من آثار سلبية على المجتمع وسائر أفراده من جهة ثانية، والأخطر منها هتك عرض الأبرياء بالعنف وما يترتب عنه من أضرار نفسية جسيمة …

فملف البيدوفيليا من بين الملفات الشائكة والمعقدة التي تقض مضاجع الأسر الفقيرة والميسورة على حد سواء، وزاد من تعقيده أنه لم يعد منحصرا فقط في بعض الأشخاص من عامة الناس، بل امتد لهيبه الحارق حتى إلى من يزعمون حفظ القرآن الكريم واحترام تعاليم الدين. ولعل من بين ما يعمق أحزاننا أننا صرنا لا نكاد نستفيق من صدمة حتى تباغتنا أخرى أكثر وقعا على قلوبنا، دون أن نستطيع وضع حد لهذا المسلسل الرهيب. إذ هناك مئات حالات الاغتصاب، ضحاياها يتوزعون بين الأطفال القاصرين والنساء والعجائز والحمير أيضا، وهي جرائم تحدث في الخلاء، الحافلات العمومية، المؤسسات التعليمية والخيريات، الأندية الرياضية والثقافية والبيوت… ومنها ما هو موثق في مقاطع فيديو.

إننا ونحن في خضم الصراع ضد الفساد ومحاولة تطويق تفشي جائحة “كوفيد -19″، بات لزاما علينا الكف عن هدر المزيد من الوقت في الجدالات العقيمة، وصرف جهودنا في مواجهة ظاهرة البيدوفيليا، بتعزيز التدابير الوقائية وإقرار التربية الجنسية في مؤسساتنا التعليمية، تتبع أنشطة الأطفال في البيت وخارجه، وتحسيسهم بمخاطر الظاهرة عبر مختلف وسائل الإعلام، تجسير التعاون بين الأسرة والمدرسة. ابتكار أحدث وسائل المراقبة الصارمة لتضييق الخناق على مغتصبي الأطفال وتشديد العقوبات عليهم وتوفير العلاج النفسي لهم. فضلا عن تركيز الاستراتيجيات على مصلحة الطفل والأسرة والاهتمام بمعايير الرعاية والتكفل بالضحايا وذويهم…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*