كورونا تخرب بيوت آلاف المستخدمين !

كورونا تخرب بيوت آلاف المستخدمين !

في سياق صحي استثنائي ناجم عن تفشي جائحة كورونا المستجد أو “كوفيد -19” ببلادنا وسائر بلدان العالم من حولنا، كشف محمد بنشعبون وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة في بحر الأسبوع الأخير من شهر شتنبر 2020، أثناء تقديمه عرضا حول تنفيذ ميزانية السنة الجارية وإعداد مشروع القانون المالي برسم السنة المقبلة 2021، أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، عن أرقام صادمة بشأن تفاقم حجم البطالة في القادم من الشهور بفعل فقدان آلاف العمال والمستخدمين لمناصب الشغل.

وفي خضم هذه الظروف العصيبة والمقلقة وما ترتب عن الانتشار السريع للعدوى من شعور بالهلع وتداعيات اجتماعية واقتصادية قاسية، وارتفاع مهول في معدل البطالة الذي بلغ إلى مستويات كارثية وغير مسبوقة مقارنة مع السنوات الماضية، خاصة في أوساط الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 25 و34 سنة والحاصلين على شهادات عليا من الكليات والمعاهد والمؤسسات الوطنية وغيرهم…

تأبى الحكومة التي يرأسها سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلا أن تتمادى في نهج سياساتها الاستفزازية الفاشلة، والتخبط في أوحال سوء التدبير والتقدير وغياب الحكامة الجيدة، وانعدام الحس الوطني الصادق وروح المسؤولية في معالجة القضايا الكبرى والملفات العالقة، التي طالما أدى الارتجال والتعثر وعدم توافق مكوناتها المتنافرة في إيجاد الحلول الملائمة، إلى خلق أجواء من التوتر وتصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية في ربوع البلاد. وإلا كيف يمكن لنا تفسير تخصيص وزارة الثقافة ميزانية بقيمة درهم 19 ,630,000 بدعوى دعم مشاريع بعض المنتسبين ظلما إلى المجال الفني، دون مراعاة مشاعر آلاف المواطنات والمواطنين من العاطلين والمطرودين من عملهم؟

ذلك أن إقدام الوزارة الوصية على هذه الخطوة غير المحسوبة العواقب في هذه المرحلة الحرجة التي تمر منها بلادنا، خلف استياء عميقا وجدلا واسعا داخل المجتمع وفي أوساط الساحة الفنية ذاتها، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، حيث تعالت الأصوات مستنكرة ومنددة بما أسمته استهتارا بالمسؤولية وخرقا سافرا لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب، ليس لأن المغاربة يرفضون تشجيع الخلق والإبداع والأعمال الفنية الراقية وهم الذين ما انفكوا يشيدون بكل الأعمال الرائدة والهادفة، تلك التي تلامس هموم الناس، تهذب النفوس، تكرس القيم الرفيعة وتساهم في الارتقاء بالذوق، وإنما يرفضون أن يستفيد من المال العام أشخاص منهم غير المتضررين الذين يعيشون أوضاعا مادية مريحة، ومنهم من هم بعيدون عن الفن الحقيقي بعد السماء عن الأرض، بمبالغ مالية تتراوح بين 4 ملايين و18 مليون سنتيم للواحد، في حين أن الأحق بالتحفيز خلال هذه الأزمة الصحية الخانقة، هم الأطر الطبية وشبه الطبية التي توجد طيلة أيام الأسبوع في خط التماس مع الوباء الفتاك، بعيدة عن أسرها دون أن تستفيد من عطلتها السنوية، وليس أشباه “الفنانين” والانتهازيين والمقربين من دوائر القرار؟

فكيف إذن لا تتأجج نيران الغضب الشديد في صدور المواطنين وهم يرون خراب بيوت آلاف العمال والمستخدمين الأبرياء، الذين تم تسريحهم وطردهم بلا أدنى رحمة، حيث أن عددا من المؤسسات الكبرى والمقاولات لم تدع الفرصة تمر دون استغلاها في تصفية الحسابات وتقليص ساعات العمل غير عابئة بالمقتضيات القانونية، سواء في قطاعات النسيج والتجارة والخدمات أو المواد الغذائية والبناء وغيرها… واللجوء إلى تفعيل آلية التسريح لأسباب اقتصادية في وجه آلاف المستخدمين، الذي لم يسلم منهم حتى ربابنة الطائرات، لتقليص كتلة الأجور وتخفيض النفقات الاجتماعية على حساب حقوق المأجورين والإجهاز على مكتسباتهم.

وفي المقابل هناك عدد من المحظوظين يعيشون في أبراج عاجية وينعمون بأجور عالية وتعويضات خيالية، دون إغفال باقي أشكال الريع ؟ فكثيرة هي فئات المجتمع التي تضررت من الآثار السلبية للحجر الصحي على المستوى الاقتصادي، خصوصا في ما يرتبط بسوق الشغل، مما جعل رواد الفضاء الأزرق يعلنونها حربا شعواء على الحكومة في تنفيذها سياسة التقشف ضد المستضعفين والموظفين البسطاء فقط، من خلال حرمان البعض من حقهم في الترقية ومنع البعض الآخر من ممارسة أنشطتهم الاقتصادية، دون أن تكون لديها الإرادة السياسية القوية والقدرة على الدنو من عش الدبابير التي تلهف الملايير. ألم يكن حريا بها التحلي بقليل من الجرأة في مراجعة أجور كبار المسؤولين من وزراء وبرلمانيين ورؤساء مؤسسات عمومية كبرى، وإيقاف تلك الامتيازات وتعدد الأجور والتعويضات التي لم يكن هناك أي مبرر لوجودها ولا يوجد حاليا ما يدعو إلى الحفاظ عليها، لاسيما في ظل الظروف الاقتصادية والمالية المتأزمة. فأين نحن من التضامن والعدالة الاجتماعية المتغنى بهما؟  ولم لا يتم التفكير في إعادة النظر في تعويضات أعضاء المجالس الدستورية والمؤسسات الوطنية، والحد من عدد المناصب في المديريات والأقسام والمصالح الوزارية، التي تستنزف ميزانيات ضخمة بدون جدوى؟

إن جائحة كورونا كشفت من جديد عن ضعف الحكومة التي قيل عنها ذات تعديل عام بأنها حكومة الكفاءات، فيما هي الأسوأ في تاريخ المغرب المعاصر. إذ في الوقت الذي يزداد فيه الوضع الوبائي تفاقما مقلقا، جراء تسارع وتيرة تفشي الفيروس التاجي وارتفاع عدد الوفيات والحالات الحرجة بغرف الإنعاش، يزداد فريق العثماني المفكك في التخبط وسوء التدبير. فهل من المواطنة وروح المسؤولية اللجوء إلى دعم “فنانين” بملايين السنتيمات، فيما هناك عدد من الفئات تتضور جوعا؟

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*