حقيقة مكانة ” البوليزاريو”

 

حقيقة مكانة ” البوليزاريو ” 1/2
عبد السلام المساوي

تتميز المجتمعات الحديثة ، بتعدد التيارات السياسية المعبرة عن تطلعات أي مجموعة بشرية داخل دولة معينة .

وقد أصبحت هذه القاعدة بمثابة بديهية لا تحتمل أي نقاش . إلا أن الملاحظ هو أننا في القرن الواحد والعشرين ، لكننا لا ولنا نعثر في الحياة الدولية على نماذج ترجع الى عهود بائدة.
فهل يمكن أن نتصور أن هناك مجتمع ينتمي بأكمله الى تيار سياسي واحد ؟! نعم يحدث ذلك في إطار ما يسمى ” البوليزاريو : الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب ” ، ورغم أنها جبهة ، فلا تضم الا تيارا واحدا ينادي بالأطروحة الانفصالية .
فهل يمكن تصور مجتمع كامل يؤمن بنفس الفكرة ؟ وهل هذا ” الشعب الصحراوي ” لا يعرف وجود اشتراكي واحد ، ولا شيوعي واحد ، ولا اسلامي واحد …؟!!! وبالتالي ، هل يتعلق الأمر بحركة تحرر حقيقية نحن ملزمين بالتفاوض معها ، ان الأمر يتعلق بتجربة لا مثيل لها في الحياة الدولية ؟ ذلك ما سنبحث فيه من خلال هذه المقالة .
تمهيد
كثيرا ما يصرح المسؤولون الجزائريون والأطراف المعادية للمغرب ، على أن قضية الصحراء المغربية ينبغي أن تعالج في إطار ” تصفية الاستعمار ” ، وأن ذلك يستلزم مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة ” البوليزاريو ” ، لكنهم يقفزون على العديد من الحقائق التي طبعت مسيرة حركات التحرر الوطنية التي قادت شعوبها الى الاستقلال بدعم من المجموعة الدولية .
لذا ، فإن هذه المقالة ، ستحاول أن تبين ان الأمر يتعلق هنا بحالة لا يمكن معها ان تطبق المعايير الدولية لاجراء مفاوضات بالمعنى المتعارف عليه.
تذكير بالحالات العادية
ان الاستناد إلى التجارب الدولية ، يبين بوضوح أن تصفية الاستعمار لا تعني دائما الاستقلال . وقد سبق للأمم المتحدة أن نظمت استفتاءا في الطوغو البريطاني سنة 1956 قرر السكان من خلاله الاتحاد مع دولة غانا ؛ كما أن الاستفتاء الذي أجري في الكاميرون الجنوبي خلال سنة 1961 أدى إلى الانضمام إلى جمهورية الكامرون ، وأن الاستفتاء في الكامرون الشمالي خلال نفس السنة أدى إلى الانضمام إلى فدرالية نيجيريا .

وهذا يدل على أن القاعدة الأولى لأية مفاوضات ينبغي أن تستحضر هذه المعطيات ، والا فان الأمور لا تعدو أن تكون مضيعة للوقت .
أين هذا من ذاك
تبعا لما سبق ، فإنه حتى إذا سلمنا نظريا أن الأمر يتعلق بقضية الصحراء ، فإنه ينبغي أن تتوفر في الطرف الذي سنتفاوض معه بعض الخصائص ، أو على الأقل حد أدنى مما كان لدى حركات التحرر الوطنية التي فرضت نفسها من خلال مصداقيتها ، واليكم بعض الأمثلة :
أولا : أين ” البوليزاريو ” من حركة سوابو في ناميبيا ؟
ان الجبهة الشعبية لتحرير جنوب غرب أفريقيا ( سوابو ) التي قادت ناميبيا الى الاستقلال ، لم تتمكن من ذلك الا ظل شرطين أساسيين : اجماع المنتظم الدولي ( دولا ومنظمات دولية ) على عدالة قضية ناميبيا من جهة ، ومصداقية حركة سوابو التي كانت الممثل الشرعي للشعب الناميبي ليست كحركة تحرير وحيدة فرضت نفسها على الساحة ، ولكن كجبهة تعمل ضمن تعددية حزبية .
لقد كانت ناميبيا تتوفر على 11 حزبا سياسيا ( الحزب الفدرالي ، الحزب الوطني ، الحزب الليبرالي ، جبهة تحرير الشعب الناميبي ….) ولكن الشعب الناميبي اختار حركة سوابو ودعمها لتكون بمثابة الناطق الرسمي دون وصاية من أية جهة .
فأين ” البوليزاريو ” من هذا ؟!!!! حركة وحيدة ، تفرض نفسها على السكان ، ولا تترك لهم حرية اختيار من يدافع عن. مصالحهم .
ثانيا : أين “البوليزاريو ” من جبهات تحرير أريتيريا ؟!!!
بنفس المنطق السابق ، نقول ان أريتريا ، رغم عدالة قضيتها ، والاجماع الدولي الذي حصل حولها ، فإن استقلالها تم وسط تعددية حزبية ( الحزب الوحدوي ، حزب التجمع الاسلامي ، الحزب التقدمي الليبرالي ….) ومن خلال نضال جبهة تحرير أريتريا والجبهة الشعبية لتحرير أريتريا .
ومرة أخرى ، يتبين أن الشعب الأرتيري لم تفرض عليه بدوره أية وصاية من أية حركة وحيدة مثل ما يفعله ” البوليزاريو ” .
صعوبة فرض وصاية على الشعوب
لن تعدد الأمثلة ، ولكن يكفي أن نقول أنه لم يعد من السهل الان فرض جبهة او حركة أو حزب واحد على شعب بأكمله .

ولنا في القضية الفلسطينية ( دون أية نية في المقارنة ) نموذجا للشعب الذي يخضع لاستعمار استيطاني عنصري صهيوني / ومع ذلك لم تستطع أية حركة أو جبهة فرض نفسها كوصي على الشعب الفلسطيني : فمن خلال حركة ” فتح ” , والجبهة الشعبية ، والجبهة الديموقراطية ، وحركة حماس …يعبر الفلسطينيون عن تطلعاتهم ، ولم تكن هناك من إمكانية لفرض أية ” جبهة ” الا من خلال التوافق حول منظمة التحرير الفلسطينية .
المكانة الحقيقية البوليزاريو
ان النماذج السابقة ، تخلص بنا إلى قاعدة تعدد الهيئات المعبرة عن تطلعات أي مجتمع ، فلماذا تصر بعض الأطراف على ضرورة التفاوض مع البوليزاريو لوحده ؟ بل لماذا لا نسمع الا عن حركة ” يتيمة ” تفرض نفسها على السكان جبرا ؟ ولماذا لا يسمح ” البوليزاريو ” للسكان الصحراويين بحرية الرأي والتنظيم ؟
أعتقد أن هذه الحركة ، ليست الا فصيلا من الحركة الوطنية الأم ، فلا يمكن والحالة هذه التفاوض الا مع مجموع هذه الحركة وليس مع جزء منها .

ان أي تفاوض حول مستقبل الصحراء لا بد وأن يتم مع حزب الاستقلال ، والاتحاد الوطني / الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، ورثة حزب الشورى والاستقلال والحزب الشيوعي المغربي .
ان هذه الأحزاب هي التي تتشكل منها الحركة الوطنية المغربية التي كانت تناضل ضد الوجود الاستعماري الفرنسي والاسباني معا ، فلا يمكن بتاتا أن يتحكم الجزء في مصير الكل . لا يمكن أن يتم التفاوض مع ” البوليزاريو ” لأن رأيه لا يمثل الا رأي أقلية قليلة يجب عليها الانضباط لاختيار الأغلبية الساحقة التي قالت كلمتها ولا زالت متشبثة بها .
يتبع

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*