هل من تلقيح ضد الغش؟ !

 

تعاني بلادنا مثلها مثل العديد من البلدان وخاصة منها النامية، من عدة آفات اجتماعية خطيرة تحول دون تحقيق التنمية والانعتاق من قيود البؤس والتخلف، وتأتي في مقدمتها ظاهرة الغش التي تفشت في مجتمعنا بشكل رهيب وأصبحت مثار قلق متواصل. حيث أنه لم يعد هناك مجال يخلو من هذا الفيروس المؤرق الذي بات ملازما لنا في كل ما يخطر ولا يخطر على بال، إلى الحد الذي صار لا يمر علينا يوم دون أن تطالعنا وسائل الإعلام بحالات غش من هنا وهناك.

إذ بينما بلادنا منشغلة بمكافحة فيروس كورونا المستجد، الذي انتشر في كافة مدننا وخلف تداعيات اجتماعية واقتصادية وخيمة، فإذا ببلاغ صادر عن وزارة الداخلية يوم السبت 30 يناير 2021 يفيد بأنه تم إبان الحملة الوطنية للتطعيم التي أعطى ملك البلاد محمد السادس يوم الخميس 28 يناير 2021 انطلاقتها الفعلية من القصر الملكي بفاس، بعد تناول حصته الأولى من لقاح “كوفيد -19″، ضبط استفادة ثمانية أشخاص من ذات اللقاح بأحد مراكز التلقيح بمدينة تازة، علما أن أسماءهم غير واردة ضمن قوائم الفئات المستهدفة ولا يتوفرون على الشروط النظامية المحددة من قبل السلطات الصحية.

وهي الواقعة التي كشفت عن حجم الفساد المستشري في إداراتنا، وأثارت ضجة عارمة من السخط والاستياء على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعالت أصوات الاستنكار والتنديد بهذا السلوك الأخرق، مطالبة بضرورة التصدي لمثل هذه التجاوزات ومحاسبة كل من ثبت تورطهم في هذه النازلة، وإنزال أقصى العقوبات في حقهم حتى يكونوا عبرة لمن تسول لهم أنفسهم إفساد فرحة المغاربة والإساءة إلى صورة بلادهم، من خلال ممارسة الغش والتلاعب في اللقاحات وغيرها…

ذلك أن هذه الحادثة التي ترقى إلى مستوى جريمة خيانة الأمانة، تظهر إلى أي حد مازال البعض ممن أنيطت بهم مسؤولية السهر على أمننا وسلامتنا، هم أول من يعبثون بمصالحنا ويعيثون في الأرض فسادا، معتبرين أنفسهم فوق القانون وبمقدورهم استعمال كل وسائل الغش والتدليس والتزوير مقابل الكسب الحرام دون حسيب ولا رقيب، ضاربين عرض الحائط بكل القيم والقوانين ومقتضيات الدستور، الذي يؤكد في الفصل 31 على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل جميعها على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من جميع الحقوق المكفولة لهم… فإلى متى سيظل منطق “باك صاحبي” سائدا بيننا ويتحكم في حياتنا؟ ألسنا في دولة الحق والقانون التي تتأسس على مجموعة من المقومات من أجل إرساء مجتمع متماسك ومتضامن، يتمتع فيه جميع المغاربة بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم في نطاق التلازم بين الحقوق وواجبات المواطنة؟

فبقدر ما ساهمت هذه الحادثة التي نتمنى صادقين أن تكون مجرد حادثة سير معزولة، في الكشف عن يقظة لجن المراقبة وحرص السلطات المختصة على ضمان سير الحملة الوطنية للتلقيح الجماعي وفق ما رسم لها من خطة محكمة حتى يستفيد على قدم المساواة جميع المغاربة والأجانب المقيمين في المغرب البالغين من العمر أزيد من 17 سنة، من خلال ضبط الأشخاص الثمانية المستفيدين من التلقيح خارج الضوابط القانونية والشروط المحددة سلفا، لعدم انتمائهم للمستهدفين في الصحة والقوات العمومية والأمن الوطني والتعليم والمسنين فوق 75 سنة.

وتوقيف خليفة قائد وعون سلطة عن العمل، وإنهاء مهام الأشخاص المشرفين على تسجيل وتنظيم لوائح المعنيين بعملية التلقيح في مسرح “الفضيحة” المدوية، وفتح تحقيق عاجل للكشف عن جميع ظروف وملابسات القضية وترتيب الآثار القانونية بناء على النتائج المتوصل إليها.

بقدر ما سلطت مزيدا من الضوء على مستوى التعفن الذي تتخبط فيه الكثير من إداراتنا العامة، حيث تدخل هذه “الفضيحة” التي هزت ساكنة مدينة تازة والرأي العام الوطني في نطاق الغش والتحايل، اللذين يعتبران وجهين من وجوه الفساد المتعددة إلى جانب الرشوة والمحسوبية والزبونية والانتهازية، التي باتت تنخر مجتمعنا بلا حدود في ظل انهيار منظومة القيم، وظهور سلوكات غير سوية لدى المواطنين والمسؤولين على حد سواء…

ويكاد التحايل حسب بعض التعاريف أن يكون مرادفا للغش في عدة حالات. وفضلا عن أن الغش يعتبر من بين أبرز عوامل التخلف، فهو مصدر كل العلل والأعطاب الناجمة عن بعض الممارسات الدنيئة في المعاملات الإدارية والتجارية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والفلاحية والصناعية والخدماتية، وله عدة مفاهيم متداخلة منها ما هو تربوي يتعلق باستخدام المتعلمين والطلبة أساليب غير مشروعة قصد الحصول على الأجوبة والنقط الضامنة للنجاح، وما هو شرعي ويعني مزج الشيء السيء بالجيد. ويعني لغة خلط أشياء أو مواد بأخرى أدنى منها قيمة وجودة، ويعرف في الاصطلاح بأنه نيل شيء دون موجب حق، وخداع وتزوير وخيانة الأمانة وغير ذلك مما يخالف الحقيقة والواقع.

إن ما حدث من تلاعب في مركز التلقيح “أنوال” بمدينة تازة، ليس في واقع الأمر سوى نموذجا مصغرا لما يجري في مختلف القطاعات العامة والخاصة، وسيستمر الحال على ما هو عليه إن لم يتفاقم بشكل أسوأ. إذ لا يمكن تحقيق التقدم والإقلاع الاقتصادي المنشودين ما لم تتضافر جهود الجميع في اتجاه محاربة كافة أشكال الفساد وتخليق الحياة العامة والنهوض بأوضاع الأسرة والمدرسة، وتفعيل الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*