متى يعلن المغرب الانتصار على الفقر؟ !

 

من بين أبرز الأخبار المفرحة في زمن تفشي جائحة “كوفيد -19” التي فرضت قيودا مرهقة، وخلفت تداعيات اجتماعية واقتصادية قاسية ملأت حياة الناس حزنا، تصريح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في الأسبوع الأخير من شهر فبراير 2021 حول انتصار بلاده البالغ تعداد سكانها أزيد من مليار نسمة على الفقر بصفة نهائية.

حيث تمكنت خلال الثماني سنوات الماضية من إخراج 99.98 مليون من سكان الريف من حالة العوز، وكذا 832 مقاطعة و128 ألف قرية من لائحة المناطق الفقيرة.

وبقدر ما هي جديرة بالإعجاب مثل هذه الأنباء السعيدة التي باتت نادرة في عصرنا الحاضر، لما تكشف عنه من حس وطني صادق وروح المسؤولية لدى بعض الحكام الذين يتحلون بقوة الإرادة ونكران الذات في رفع التحديات وكسب رهان التنمية، ولا يترددون في مباشرة الإصلاحات الضرورية ومحاربة مختلف مظاهر البؤس والفقر من أجل إسعاد شعوبهم. بقدر ما تثير شعورا بالشفقة تجاه عديد الأقطار النامية التي تمزقها الحروب وينهب ثرواتها المفسدون. والمغرب واحد من البلدان التي رغم ما عرفته من مشاريع تنموية رائدة في السنوات الماضية، مازال مواطنوه يعانون الكثير من الظلم والقهر والتهميش والإقصاء، وتنامي معدلات الفقر والأمية والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.

والفقر بشكل عام هو عدم القدرة على تأمين القوت اليومي أو الحفاظ على الحد الأدنى من الدخل أو الموارد التي من شأنها تلبية الحاجيات الأساسية، ومن مظاهره الجوع وسوء التغذية وغياب إمكانية الاستفادة من الخدمات الاجتماعية اللازمة من تعليم وصحة وسكن وغيره. وهناك عدة طرق لقياس معضلة الفقر، تعتمد على سلسلة من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية.

إذ تشير بعض الدراسات إلى وجود حوالي 800 مليون شخص اليوم تحت خط الفقر الدولي، 11 في المائة منهم يعيشون في فقر مدقع ويصارعون لتلبية أدنى الاحتياجات من قبيل الصحة والتعليم ومياه الشرب والصرف الصحي…

فالمغرب حسب التقارير الأخيرة للأمم المتحدة يعد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يقاسي فيه جزء كبير من السكان من صعوبة العيش وعديد القيود، كما يشهد بذلك انحداره المستمر في مختلف التصنيفات والإحصائيات. حيث أن هناك 60في المائة من المغاربة يعيشون في حالة فقر وتهميش، علاوة على الحرمان من أبسط الحقوق بما فيها التعليم والصحة والسكن اللائق، وخاصة منها ما يتعلق بحقوق الأطفال التي تظل منعدمة في أدنى مستوياتها وضمنها اللعب. وهو ما يجعله بين الدول التي ترتفع فيها معدلات الفقر والهشاشة، ويحتل مرتبة غير مشرفة في مؤشر التنمية البشرية…

من هنا يمكن استحضار ذلك السؤال التاريخي لملك البلاد محمد السادس حول مآل الثروة في خطاب 30 يوليوز 2014بمناسبة الذكرى 15 لاعتلاء العرش، حيث أنه استنكر بشدة عدم استفادة جميع المغاربة من ثروة بلادهم، بعد ملاحظته لبعض مظاهر الفقر والهشاشة وحدة الفوارق الاجتماعية والمجالية، إبان تجولاته التفقدية.

واطلاعه على دراستين لقياس الثروة الشاملة في حوالي 120 دولة، أنجزهما البنك الدولي خلال عامي 2005  2010، وجاء فيهما المغرب ضمن المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي بفارق كبير عن بعض بلدان المنطقة. بينما يعيش المواطنون أوضاعا اقتصادية واجتماعية مزرية، مما أدى إلى دعوة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتعاون مع بنك المغرب والمؤسسات الوطنية المعنية، بتنسيق مع المؤسسات الدولية المختصة، إلى القيام العاجل بدراسة عامة لقياس القيمة الإجمالية لثروة المغرب ما بين 1999 و2013، ليس بهدف إظهار قيمة الرأسمال المادي، وإنما لاعتماده كمعيار أساس عند وضع السياسات العمومية في اتجاه تعميم استفادة جميع المغاربة من خيرات وطنهم. لكن لا شيء من ذلك تحقق إلى اليوم.

فمن المفارقات التي يقف المواطن أمامها حائرا هي أن بلاده التي استطاعت في العقدين الأخيرين فتح عدة أوراش كبرى ومضاعفة الناتج الإجمالي، وبوأها مكانة اقتصادية متميزة في القارة الإفريقية، هي نفسها التي مازالت عاجزة عن التصدي لمعضلات الفقر والهشاشة الاجتماعية واستشراء الفساد، الذي أمسى من أخطر معوقات التنمية ويحول دون التحاق المغرب بالبلدان الصاعدة.

وهو ما يؤكد مشروعية السؤال: أين الثروة؟ !

ويجعل المغاربة يرفضون بشدة حرمانهم من عائدات المشاريع الكبرى التي أعطى انطلاقتها عاهلهم المفدى، ثم ما جدوى تطوير البنيات التحتية وجلب الاستثمارات الأجنبية، دون أن تساهم في خفض معدلات الفقر والبطالة، وبناء المدارس والمستشفيات؟

لأجل ذلك وغيره كثير، وبعد أن اتضح قصور النموذج التنموي المعتمد في رفع وتيرة النمو الاقتصادي، بما يضمن مناصب شغل للعاطلين، خلق الثروات وتوزيعها بإنصاف على كافة المواطنين. دعا الملك في خطاب 20 غشت 2019 بمناسبة الذكرى 66لثورة الملك والشعب إلى تجديد النموذج التنموي، حتى يمكن وضع البلاد على سكة التنمية الحقيقية والاستجابة لانتظارات الجماهير الشعبية…

إننا وفي انتظار نموذج تنموي جديد كفيل بتلبية تطلعات المواطنات والمواطنين، نؤكد على أن الانتصار على الفقر رهين بمدى قدرتنا على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية سريعة، تنطلق من خلق بيئة ديمقراطية حقيقية تقوم على نخب سياسية جديدة ومقتدرة، تحمل في أعماقها حب الوطن وهموم المواطنين. تأتي بتصورات وأفكار جريئة لمحاربة الفساد الريع، وتعتمد في تدبير الشأن العام على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، التخطيط الجيد ورسم استراتيجيات وطنية مندمجة، للإسهام في توفير العيش الكريم والعدالة الاجتماعية وتقليص معدلات الفقر والأمية والبطالة، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل…

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*