حول فلسفة العرف الدستوري • العرف الدستوري ارتباط أصيل بمؤسسات الدولة ومرآة تنعكس عليها الاتجاهات السياسية

حول فلسفة العرف الدستوري
• العرف الدستوري ارتباط أصيل بمؤسسات الدولة ومرآة تنعكس عليها الاتجاهات السياسية

• اعتماد العرف الدستوري لا يشكل عناصره إلا بعد صيرورته عاما ومعمولا به

عبدالله الشرقاوي
[email protected]

إبان عملية تنقيبي في أرشيف “العلم” عثرت على مقالة تحت عنوان: «فلسفة العرف الدستوري» بقلم محمد مشيش العلمي، محام، الواردة في الصفحة الأولى من الجريدة تحت عدد 7920 بتاريخ 29 فبراير 1972، ضمن ركن “المنبر الحر” خصوصا وأن قضية العرف الدستوري هي مسألة فنية لا يتقن صناعتها ويتذوق طعمها إلا الدارسون، لكونها صناعة.
واعتبرت أن هذه المقالة، التي مر عليها الآن 49 سنة وحوالي شهرين وبضعة أيام، صالحة لصفحتنا القانونية في إطار تحديد المفاهيم والاطلاع على تنوع المدارس، بما فيها التي أخذ عنها المشرع المغربي، ومازال ينهل منها ولو أحيانا بطريقة لا تلامس جوهر مقتضيات هامة من التشريع الفرنسي مثلا، حيث يِفرغ المقتضى التشريعي من محتواه وتبقى القشور، فضلا عن كون المقالة كتبت في غمرة الاستفتاء على دستور 1972 الذي رفضت الكتلة الوطنية المشاركة فيه بنعم، وذلك بعد دستور 1970 الذي جاء لرفع حالة الاستثناء التي تم إقرارها في شهر يونيو 1965.
وندرج في هذا الركن وجهة نظر الأستاذ محمد مشيش العلمي، المحامي، حول فلسفة العرف الدستوري، خاصة في ظل المطالب بشأن الإفراج عن الأشغال التحضيرية لدستور 2011، من أجل فهم بعض أسباب النزول:

بقلم: محمد مشيش العلمي محام

نجد كل الأعذار لغير المختصين من رجال القانون إذا ما جهلوا نظرية العرف الدستوري ونحمل بالمقابل أصحاب الاختصاص مسؤولية التضليل وهم يحاولون اقناعنا عمدا وإصرارا بتحريف المبادئ الأولية للقانون الدستوري.
لو كان الأمر مثلا يتعلق بمناقشة مسألة النضج الفكري للشعب المغربي لقلنا إن للمناقشين الحق في عرض آرائهم ولكل منهم الاختيار في تبنى أي رأي ارتآه بحسب ميله السياسي أو مستواه الثقافي أو حسه الفلسفي.
ولكن العرف الدستوري مسألة فنية فقهية لا يتذوقها إلا الدارسون لأنها صناعتهم، كذلك الخراز الذي يتلذذ برائحة شمع العسل وهو بذلك خيط القنب.
ومع ذلك فإن القول أعلاه لا يعني أبدا انفصال الأعراف الدستورية عن التيارات الحضارية العاملة في الشعوب، أي أنه لم ينشأ بمعزل عن المقدور التاريخي للشعوب والمجسد في مفكريها وقادتها وحركاتها الدينية والسياسية والاجتماعية.
ومن وجهة النظر هذه كان للعرف الدستوري ارتباط أصيل بتنظيم الدولة ومؤسساتها، وبالتالي مرآة تنعكس عليها الاتجاهات السياسية، سواء نحو الحكم المطلق الاستبدادي، أو نحو الحكم الديمقراطي الحر.
وبسبب ذلك كانت نشأة العرف عفوية تلقائية غير متوقعة. وهذه الخصائص لا تعبر بالبديهة عن تفكير سابق، بل إن التفكير في العرف الدستوري لا يستكمل عناصره المنطقية الا بعد صيرورته عاما معروفا معمولا به. إنه تفكير بعدي لا قبلي. والعكس غير صحيح، ومرماه بلا ريب عرقلة القدر التاريخي المحتوم، فأنت لا تستطيع أن تقول مثلا: سوف أخلق عرفا في الأكل من تحت الصفيرة، لأنك لو قلت ذلك لكنت فكرت، ولو فكرت لانتفت صفة العفوية، وإذن فإن الأكل من تحت الصفيرة أصبح بالنسبة إليك قرارا على نفسك عرفت نتائجه بواسطة التحليل المنطقي لاحتمالات تنفيذه.
وغير خاف أن إمكانية الأكل على تلك الطريقة أو استحالته مسألتان غير مهمتين في المثل المضروب.
وإذا عدنا من النظر التجريدي الآنف الذكر إلى الواقع المغربي الحالي فإننا لا نخشى الادعاء بجهلنا لوجود عرف دستوري مغربي متعارف عليه.
ودليلنا على ذلك مستمد من وثيقة 12 يناير 1944 حيث نجد فيها مطلب إقرار دستور ديمقراطي يضمن السيادة للأمة وحرية الأفراد والجماعات، كما أننا لا نخفي علمنا بأعراف مخزنية كحفلات تقديم الولاء والطاعة في أعياد الفطر والأضحى. والدليل الثاني أن الدساتير المغربية منذ القانون الأساسي للدولة الصادر عقب وفاة محمد الخامس إلى دستور 72 لم تنتج أعرافا دستورية لأنها كانت كالمرأة العاقر – وفي علمي الخاص أن المرأة العاقر لا تلد – وإلاَّ لاكتفينا بدستور جوبا الأول – إن كان لدينا دستور – أو القانون الأساسي المشار إليه من قبل، وإلا لكان مطلب الدستور – في الوثيقة الاستقلالية عبثا في عبث اعتبارا، بالطبع، لتقنية الفقه الدستوري والتشريع المقارن.
أما إذا قلنا بدستورية الأعراف المخزنية التاريخية فإن أي دستور مكتوب يعرض على الشعب المغربي سيكون مصيره الفشل يقينا كالرجل الغارق في بحر لج في ظلام دامس، ومن ثم كان الدفاع عن الأخذ بالأعراف الدستورية المجهولة تضليلا مكعبا مع إضافة البعد الرابع إلى هذا التكعيب، علما أن «المتفرنسين» من المغاربة يتبجحون بأن القوانين المغربية سبقت فرنسا بأخذها بأحدث النظريات الألمانية والسويسرية والأمريكية.
ويتبنون نظرية العرف الدستوري بالرغم من تبجحهم. صحيح أن المغرب تابع للمنهج اللاتيني الذي يعمل بالنص المكتوب الذي يحذف الأعراف اللهم إلا إذا تجددت الأحوال بتطبيق النص. وهذا التجدد هو العلة في الأخذ بنظرية التعديل في النص. والمنطق الصحيح السليم يقتضي منا عدم التفكير في العرف ما دمنا سلمنا بالتعديل.
إذن فالعرف وجد أو لم يوجد معناه التسلل خفية إلى البيت من النافذة لاختلاس ما فيه من أثاث دستوري ثمين.
والنتيجة أن الكلام عن محاولة لإيجاد أعراف دستورية أو تطبيقها إن وجدت يخفي حاجة ليعقوب في نفسه. غير أن دهر يعقوب قد ولى وأدبر. ويعقوب نفسه قد مات.
ولذلك فنحن أمام اختيارين: إما دستور مكتوب يعبر بصدق عن المرحلة التاريخية الدقيقة التي تمر بها أمتنا، وإما حذف جميع القوانين التي أقرتها سلطة الحماية اللاتينية. وبما أن ذلك ليس في الإمكان فعلى الأقل يجب الامتثال لمعنى قوله تعالى: «أتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض».

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*