سامر أبو القاسم: ندرة الفرص وصعوبة تعويض الخسارات

ندرة الفرص وصعوبة تعويض الخسارات
سامر أبوالقاسم
فعالية القانون في محاربة الإثراء غير المشروع والرهان على الحكامة والشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد لا زال يطرح أسئلة مقلقة، لا تخص ثراء المنتخبين وحدهم بعد تحملهم مسؤولية تدبير المال العام، بل تمتد لتطال كبار المسؤولين داخل القطاعات الحكومية والمؤسسات والمقاولات العمومية.
وبقدر ما تثير تقارير مؤسسات الاستشارة والرقابة أعطابا ذات صلة باختلالات في تدبير البرامج والملفات واختلاسات في تصريف المال العام، بقدر ما تؤشر على الأسباب الحقيقية لتعثر المشاريع الإصلاحية والإنمائية، وتفرز اضطرابات وتوترات في العلاقة بين مؤسسات الدولة ذات تفاصيل وحكايات غير مروية.
وما مقولة “التقارير تعطي الانطباع كما لو أن البلاد كلها فاسدة” التي طفت على السطح مؤخرا إلا تعبير عن خوف على سمعة البلاد، إن لم تكن أقرب إلى تصنيف هذه التقارير في باب الجذرية لولا الخوف على “اعتدال” المعارضة داخل المؤسسة التشريعية في مراقبتها وتقييمها للسياسات العمومية.
فعلى الرغم من قساوة الماضي الذي طويت صفحته، وإغراء الحاضر المشبع بما يلزم من ثقة وإرادة للعمل والمثابرة وتدليل الصعاب، فإن للمستقبل إغواء يشحن استشرافه بكل أنواع الجذب نحو التوق إلى طمر المياه الآسنة، باستقدام الصالح للوطن ليصير أرضا صالحة للإعمار وزراعة الموارد وتصنيعها وتحسين الخدمات وربح المساحات والمسافات واحتلال المراتب المتقدمة، بعبقرية التشييد والبناء، وبشجاعة الدحر والإبعاد لكل المسوخ وأشكال الحلب.
ومن المصالحة مع الذات إلى إعلان الإرادة المشتركة في الدفاع عن ثوابت الأمة والمصالح العليا للبلاد إلى المشاركة وتظافر الجهود إلى تشخيص الأعطاب والعراقيل إلى استشراف الآفاق إلى إعلان المأسسة وإطلاق المشاريع الكبرى والدخول في الأجرأة والتنفيذ.
هكذا كانت الرغبة في تعزيز سبل إفادة الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستثمار وخلق الثروة وتقوية فرص التشغيل ومواكبة التمدن والنمو الحضري والاستجابة لمتطلبات التنمية المستدامة ودعم الأقطاب الحضرية الجديدة والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى والمنتجعات السياحية وتحسين التموقع داخل المنتظم الدولي، بالموازاة مع مسارات التأهيل الأسري والمجتمعي والارتقاء بالبنية التشريعية وتوفير شروط العدالة الاجتماعية والقضائية.
بهذه الروح وبذلك النفس، انطلق المسار وشحذت الهمم وشمرت السواعد وتعبأ الناس، مسلحون بالثقة فيما بينهم والأمل في الإنجاز وتحقيق أهداف وغايات التغيير الممكن والمتاح حسب الإمكانات والإمكانيات، لإتاحة الفرصة للنهوض بالبنيات التحتية وإنشاء شبكة نقل حديثة وتوسيع نطاق المطارات والموانئ وتأهيل المدن، للوصول إلى استهداف توسيع الحماية الاجتماعية وتعزيز البنية الاستشفائية وتجويد خدمات التربية والتكوين، وفق نموذج تنموي جديد وبمنظور جهوي يراعي منطق التوازن والتضامن بين كل الجهات.
وعلى بعد مسافة الأربع وعشرين سنة من تاريخ الانطلاق، وجب الوقوف على ما تم ترصيده لحد الآن وما تم إفلاته من فرص كذلك، دون السقوط في مطب المزايدات والتشنجات، خاصة وأن الأمر غير مرتبط بما يغنم من مكاسب شخصية أو فئوية ضيقة، بقدر ما هو موصول بالمصالح الوطنية التي تعلو فوق كل الاعتبارات.

فالمسار صعب وشاق والتحدي الأكبر هو عدم إضاعة الفرص التنموية.
صحيح أن ما نتحدث عنه هو من صميم السياسة واختصاصها، لكنه يتطلب حرصا شديدا من مخاطر إدخاله في تفاصيل حسابات المكونات السياسية المحكومة بالرغبة في التموقع والتموضع داخل الدولة والمجتمع.

وإن كان ذلك لا يسوغ أي نزوع نحو تكميم أفواه وإسكات أصوات تصدح بتسجيل خروقات وانتهاكات أو أخطاء وتعثرات أو نواقص واختلالات هنا أو هناك.
صحيح أنه جرت العادة التنبيه إلى الحرص أكثر على الالتفات إلى المنجز وتثمينه والثناء على منجزيه لتفادي تبخيس الجهود وإضعاف الطاقات وإحباط الناس وتيئيسهم، من باب التذكير بالنعم قبل افتقادها لا شاءت الأقدار. لكن مسار التجاوز وتحسين الأداء وتجويد الخدمات يحتاج بشدة إلى معارضة وانتقاد وتنبيه إلى ما يرتكب من أفعال وأقوال قد تغير مآل تحقيق الحاجات والانتظارات والطموحات.
فلا تأتي مجتمعة إلا المصائب أبعدها الله عن سبيل التحديث والدمقرطة والتنمية، وقد كانت العبرة مؤخرا بالتغيرات المناخية والجوائح الطبيعية والإنسانية والحروب المشتعلة في أكثر من نقطة في جغرافية العالم، والفساد الذي يضرب أركان الأنظمة السياسية في العديد من الدول، والفقر والجوع والمرض والجهل كظواهر لا زالت تجثم على أنفاس كثير من البلدان، إضافة إلى الابتلاء بسوء الجوار.
والعالم اليوم يبدو أنه ما عاد يتسع للجميع، وأصبح يطبع إمكانية إتاحة الفرص بالندرة التي تكاد تشبه قطرة ماء في صحراء قاحلة وفي صيف يشتد قيظه، وهو ما يحث على الالتفات إلى أن أول الغيث قطرة، وعلى مواصلة المسير ولو كان السير بطيئا.

فقد علمتنا تجارب الحياة أن مائة سنة قد لا تكفي لتعوضنا ما نخسره في لحظة، لمجرد سوء تقييم في التفكير بخصوص تقييم الأمور وتقدير أهميتها في وقتها وحينها.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*