دولة الحق والقانون
عبد السلام المساوي
1- أسس دولة الحق والقانون
2- حكومة التناوب والتأسيس لدولة الحق والقانون
1-أسس دولة الحق والقانون
نشأ مفهوم دولة الحق والقانون في أوربا كتصور بديل عن الدولة الامبراطورية ، دولة الحكم المطلق والسلطات المطلقة التي يحظى فيها الملك او الامبراطور بحق منح الحياة وزرع الموت تجاه ” رعاياه ” ، وتطور هذا المفهوم كمثال سياسي يهفى إليه وكشعار سياسي يتجه إلى تطبيقه .
هكذا ظل مفهوم دولة الحق والقانون مفهوما مقارنا صراحة او ضمنا ، لأن الحديث عن دولة الحق والقانون يتضمن الإحالة على نقيضها ، الدولة الامبراطورية التقليدية مطلقة السلطات او الدولة العصرية المستبدة .
# دولة المؤسسات
دولة الحق والقانون بهذا المعنى ، هي دولة المؤسسات بالقياس إلى الدولة التقليدية التي هي دولة الأمير او السلطان ، فاذا كانت السلطة في الدولة التقليدية متمركزة كليا وبشكل مطلق لدى شخص واحد ، هو بمثابة الواهب للخيرات او الحارم منها ، مثلما هو السيد المطلق واهب الحياة والموت ، فإن دولة الحق والقانون ، أي الدولة العصرية الديموقراطية ، هي دولة يتم فيها توزيع السلطة واقتسامها لا على أفراد بل على مؤسسات ؛ مؤسسات تشريعية ، مؤسسات تنفيذية ، مؤسسات قضائية .
# فصل السلط
هذه المؤسسات تتوزع السلطة ، بل تشكل في الصيغة المثالية لهذا التصور – بالنسبة لبعضها سلطا مضادة ، هدف كل واحد منها ، هو الحد من سلطة الأخرى .
وما يوحد ويربط بين هذه السلط الموزعة ، هو وحدة الفضاء القانوني الذي يرسم لكل سلطة مجالها واختصاصاتها وحدودها ، فالمعيار والمرجع والحكم في دولة الحق والقانون ، هو القانون سواء تعلق الأمر بالقانون الأساسي الذي هو الدستور او بالقوانين القطاعية .
# سلطة القانون
وهكذا ، فإن هذه الدولة تقوم على إحلال العلاقات القانونية محل العلاقات الوجدانية والقرابية ( العائلية ) ، والعرقية ، والمهنية ، والمالية والأخلاقية وغيرها .
فسلطة القانون هنا هي السلطة المرجعية الأعلى التي تستمد منها كل الهيئات والقطاعات والممارسات مرجعيتها الرسمية .
# فضاء للحرية السياسية
# تفترض وتستلزم دولة الحق والقانون ، بجانب توازي وتقابل السلط و مراقبتها لبعضها البعض وسيادة القانون ، وجود فضاء من الحرية السياسية يمكن كل فرد من الأفراد من أن يكون كائنا متمتعا بالحرية ، مساويا لغيره مساواة صورية اي من حيث امتلاكه لصفة المواطنة ولحقوقها ، وفاعلا سياسيا بالقوة او بالفعل .
# الفرد مواطن صاحب حقوق
الفرد في الدولة التقليدية ، هو مجرد مرعي تمنح له بعض الحقوق وبعض الامتيازات أحيانا ، في حين أن الفرد في دولة الحق والقانون ، هو بالأساس مواطن صاحب حقوق Sujet de droits يضمنها ويحميها القانون
# دولة المساواة الصورية المطلقة
تقوم الدولة التقليدية على أساس التمايز والامتياز العرقي او العقدي او الإنتمائي ( الشرفاء مقابل العوام ) ، أما دولة الحق والقانون ، كدولة تجسد الحداثة السياسية ، فهي دولة المساواة الصورية المطلقة ، الناس فيها لا يختلفون ويتمايزون من حيث طبيعتهم وكينونتهم الانسانية ، بل من حيث ما يملكون وما يستحصلون ، فهي تحقق ” تساوي الشروط ” وتعتبر المساواة الفعلية او الاقتصادية أمرا خارج دائرة اختصاصاتها .
# لا احد فوق القانون
الجانب الاقتصادي الذي يهم دولة الحق والقانون هو التطبيق الفعلي لمبدأ ” لا أحد فوق القانون ” في المجال الاقتصادي اي الغاء الامتيازات الاقتصادية والضريبية والزامية أداء الضرائب ومستحقات الدولة بالنسبة للجميع لا فرق في ذلك بين أبيض وأسود ، بين شريف أوعامي …بين رجل السلطة والمواطن العادي .
ومقابل ذلك ، فإن دولة القانون هي مبدئيا دولة الحق او الحقوق اي الدولة التي تضمن قانونيا للأفراد حقوقهم المختلفة ( السياسية والاقتصادية والقانونية ) ، ومن ثمة ، فإن حقوق الإنسان ، ليست فقط زينة سياسية بقدر ماهي اطار قانوني وسياسي وثقافي ضامن للحق تشريعيا ومؤسسيا وثقافيا .
# دولة الحق والقانون تعبير عن المواطن وتجسيد مؤسسي ضامن لحقوقه
دولة الحق والقانون هي الصيغة التنظيمية السياسية التي تنقلب فيها العلاقة بين الفرد والدولة ، بين الحاكم والمحكوم رأسا على عقب ، الدولة التقليدية تعتبر ” الحقوق ” هبات تتكرم بها على رعاياها ، مميزة بينهم تمييزا استثنائيا في حين ان دولة الحق والقانون تمثل تعبيرا عن المواطن وتجسيدا مؤسسيا ضامنا لحقوقه .
الفرد في هذا المنظور هو المواطن الذي يهب الدولة مشروعيتها عبر الآليات الديموقراطية .
# دولة الحق والقانون هي قرينة الديموقراطية
ودولة الحق والقانون هي مجموع المؤسسات الممثلة والضامنة للحق العام والحقوق الفردية .
ومن ثمة فإن هذه الدولة هي قرينة الديموقراطية ، إذ لا يمكن أن تقوم دولة الحق والقانون الا على أساس من الديموقراطية ، بل لعلها من مقتضيات الديموقراطية ومستلزماتها.
# دولة الحق والقانون نقيض الدولة التقليدية مطلقة السلطات
ان دولة الحق والقانون هي النقيض الكامل للدولة التقليدية مطلقة السلطات التي تعتبر الحقوق هبات وأعطيات منح تتكرم بها السلطة على مرعييها ، وليست حقوقا طبيعية ، واصلية ، وغير قابلة للتفويت .
# دولة الحق والقانون نقيض للدولة البوليسية
مثلما هي النقيض التام للدولة البوليسية التي تحكمها الهوالس والهواجس الأمنية والتي تأخذ الناس بالشبهة ، وتمارس عنفا على المجتمع وكأنها في حالة حرب معه ، في حين أن ما يسود في دولة الحق والقانون هي العلاقة القانونية السلمية التي يكون فيها القانون هو الضامن لحقوق الأفراد والفئات المؤطرة بثقافة الحوار والنقاش العمومي ، والمحلة لسلطة القانون محل سلطة القوة السافرة .
2-حكومة التناوب والتأسيس لدولة الحق والقانون
لقد عمل الاتحاد الاشتراكي على تأصيل المفاهيم وزرعها بذكاء في أرض المغرب ، فعندما يتحدث ،مثلا ، عن دولة الحق والقانون ، فهو يعني بأن هذا المفهوم ليس شعارا يرفع او كلاما للاستهلاك ، بل هو ممارسة وسلوك ، لذلك ناضل الاتحاد الاشتراكي وعمل على نقل هذا المفهوم من مستوى التنظير الى مستوى الفعل ، فمع أواخر حكومة التناوب ، قدم الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي حصيلة العمل الحكومي للمرحلة التي قاد فيها الوزارة الأولى ، ويكفي أن نلقي نظرة موجزة عن المحاور الستة لحصيلته لنتأكد من صدق النظرية والتطبيق وتكاملهما في الخطاب الاتحادي ؛
– ترسيخ حقوق الإنسان وتخليق الحياة العامة ؛
– إصلاح النظام التربوي وتكافؤ الفرص امام التربية والتكوين ؛
-التنمية والاستثمار وانعاش الشغل ؛
– التنمية الاجتماعية والتضامن ؛
– عقلنة تدبير الشأن العام ؛
– تنشيط العمل الديبلوماسي ؛
انها محاور تدل بوضوح على أن الهاجس الأساسي يتمثل في إرساء دعائم دولة الحق والقانون ، وإدخال قواعد جديدة في مجال تسيير الشأن العام ، سواء على المستوى الداخلي او الخارجي .
لقد انطلقت حكومة التناوب من أولويات عامة كانت توجه عملها ؛ انجاح الانتقال الديموقراطي ، انجاح انتقال للغرش ، اعادة هيكلة مؤسسات تسيير الشان العام ،احداث قطيعة مع التجارب السلبية السابقة ، القضاء على الموروثات السلبية …لنلاحظ ان الامر لا يتعلق ببرامج محددة او قصيرة المدى ، ولكن ببرنامج شامل يغلب عليه الطابع السياسي .
لقد كان واضحا منذ البداية ان مهمة حكومة التناوب لم تكن تتعلق بالملفات الصغرى ، ولكن اساسا بوضع البلاد في سكة جديدة .
ان الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي ، هنا ، كان يدشن للعمل التنموي من خلال المدخل السياسي ، المعتمد على إيلاء مكانة خاصة لدولة الحق والقانون وللانسان باعتباره المحور الأساس لكل إصلاح اجتماعي او اقتصادي او سياسي .
وهكذا تم فتح ورش متعددالجوانب في مجال الحريات العامة والفردية واصلاح العدل ، والعلاقة بين الإدارة والمواطن ، وتمجيد القضاء من خلال تنفيذ الأحكام وفرض احترامها من الفرد والدولة على السواء ، وفي مجال النهوض بشؤون المرأة ، وحماية حقوق الطفل ، والحد من الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر ، وفي مجال تخليق الحياة العامة ، ومحاربة الفساد و الرشوة .
وهكذا يتبين وبالملموس ، ان الاتحاد الاشتراكي ، عندما يرفع شعارا او ينتج مفهوما او يطرح برنامجا سياسيا ، فليس بغرض التغليط والتمويه ، الضجيج والبهرجة ، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ….
ان مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول ….من هنا كانت هذه المفاهيم ، وفي كل مرة ، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود ، الاجترار والرتابة ….
