المرزوقي يكتب: الإعلام المغربي بين *حتمية قدسية الخبر وحرية التعليق والتحليل*

الإعلام المغربي بين *حتمية قدسية الخبر وحرية التعليق والتحليل*

د . حميد المرزوقي

 

منذ فجر الاستقلال، بمناسبة إطلاق أول صرح إعلامي مغربي المتمثل في *وكالة المغرب العربي للأنباء* ، أرسى جلالة المغفور له أسس هذا البناء الاعلامي بقول جلالته، في كلمته التوجيهية التي يجب أن تظل راسخة وتعتمد كمبدإ للإعلام المغربي ألا وهي *الخبر مقدس والتعليق حر*، منذ ذلك الحين توالت الأعوام والسنين، وعاش المغرب محطات تاريخية مهمة في منتصف ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، تخللتها أحداث ومواقف مهمة واكبها الإعلام المغربي بكل مكوناته الحزبية والحرة مواكبة موضوعية لم تكن تخرج عن الإجماع الوطني ولا الخط التحريري الذي تبنته الأحزاب والهيئات السياسية التي كانت تنتمي لها هذه المنابر الإعلامية، عاش المغرب محطات حساسة وفي غاية الأهمية كاحداث الدار البيضاء سنة 1965 التي كانت نتيجة لاختلاف بين وجهات النظر بين المكونات الحزبية ونظام الملكية الدستورية، حول كيفية توزيع السلط، بين السلطتين التنفيذية التشريعية، بين رؤيا الملكية البرلمانية التي كانت تتبناها الأحزاب اليسارية المغربية وبين الملكية الدستورية التي تم إرساء دعائمها منذ حصول المغرب على استقلاله، كإنجاز مظفر لثورة الملك والشعب.

المحطة الثانية كانت الإصلاحات الاقتصادية الكبرى كمغربة الإدارة المغربية ومغربة التعليم و تأميم الأراضي الفلاحية التي كانت تستغل من طرف المعمرين الأجانب وتتويج ذلك بإصدار ظهير الإصلاح الزراعي الذي كان يقضي بتوزيع الأراضي الفلاحية على صغار الفلاحين سنة 1969 وإحداث تعاونيات الإصلاح الزراعي التي بالرغم من بعض الإخفاقات المتعلقة بطريقة تسييرها التي لم يتم استيعابها بالشكل الكافي من طرف المستفيدين من هذه العملية القاعدية التي تعتبر من أهم إنجازات المغرب الحديث، وما واكبها كمشروع سقي المليون هكتار، والأوراش الضخمة لبناء السدود التي بفضلها استطاع المغرب أن يتخطى سنوات الجفاف المتتالية لعدة عقود و الإجهاد المائي بأقل الأضرار. أما المحطة الثالثة فكانت تداعيات المحاولتين الانقلابيين المتتاليتين ل1970و1971 واللتين شكلتا انطلاقة جديدة لنظام ملكي دستوري بوضع دستور جديد روعيت فيه الفسيفساء السياسية والاجتماعية المغربية بشكل ساهم في تدبير المرحلة بالقليل من الخسائر وضمان إجماع مغربي كبير تجلى في المساندة الكبيرة التي قوبل بها القرار الملكي التاريخي القاضي بالمشاركة في حرب أكتوبر 1973 بكل من سيناء بجمهورية مصر العربية والجولان بسوريا، وهنا لا بد من الإشارة إلى المواكبة التاريخية للاعلام المغربي لهذه المبادرة التاريخية تضامنا مع الشعوب العربية في مواجهة أخطبوط الكيان الإسرائيلي، دون أن ننسى انعقاد عدة قمم للدول الإسلامية والعربية بالمغرب بدعوة من جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله تراه، والتي كان من أهم النتائج التي تمخضت عنها خلق لجنة القدس كهيئة دائمة لمواكبة كل ما يتعلق ببيت المقدس على إثر انعقاد مؤثمر الدول الإسلامية لتدارس خطة العمل التي يتعين على الدول الاسلاميةاتخادها آنذاك كرد فعل لإحراق مسجد القدس، وهنا لابد من التذكير بالمواقف المشرفة للإعلام المغربي لمواجهة هذه التحديات المحدقة بالعالمين العربي والإسلامي ودوره في خلق رأي عام مغربي يتبنى المواقف التاريخية الشجاعة للمغرب ويعبيء الشعب المغربي لمواجهة اعداء الأميتين العربية والإسلامية .

أما المحطة الرابعة فلم تكن سوى الإعلان التاريخي المغربي الذي أعلنه جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه، بناء على قرار محكمة العدل الدولية لاهاي التي قضت بوجود روابط بيعة تاريخية بين القبائل الصحراوية المغربية والمملكة المغربية في شخص ملوكها، وهو إعلان قرار المسيرة الخضراء المظفرة الذي أعلنه مبدع المسيرة الخضراء جلالة المغفور له الحسن الثاني في 16 أكتوبر 1975، وهو قرار واكبته مسيرة إعلامية مغربية ملحمية تلاحم فيها الاعلام الرسمي والاعلام الحزبي لترصيع تاريخ المغرب، بلوحات خالدة خلقت رأيا عاما وطنيا مكن من تربية أجيال وأجيال على حب الوطن، والتفاني في الدفاع عن ثوابته ومرتكزاته، في سياق مسيرة دائمة ومتجددة لصون سيادة المغرب على أرضه ومقدساته، لذلك توالت المبادرات التي تروم الدود عن الوحدة المغرب باعتلاء جلالة الملك على عرش اسلافه الغر الميامين، بإعلان جلالته *مقترح الحكم الذاتي* لحلحلة ملف النزاع حول الصحراء المغربية، الذي منذ أن تم طرحه على اللجنة الرابعة لهيئة الأمم المتحدة لقي تجاوبا أمميا كبيرا واعتبر مقترحا جديا وذي مصداقية وأرضية صالحة لوضع حد للنزاع المصطنع الذي فبركه أعداء وحدتنا الترابية، لكن الذي يميز هذه المرحلة الأخيرة هو التطور التكنولوجي وتطور *تقنيات الإعلام والتواصلTIC* بظهور منصات إعلامية تفتقر للتأطير والمراقبة تعج بها محركات البحث في الفضاء الأزرق وبالأخص *بالفايسبوك* الذي يعرف خلق العديد من القنوات التي تبث *مُبَاشِرَاتٍ* تعالج من وجهات نظر مختلفة قضية وحدتنا الترابية، وهو ما يدعو أكثر من أي وقت مضى التعاطي مع هذه القنوات الإعلامية التي يشرف عليها شباب يفتقر بعضهم للإطار التاريخي لهذا النزاع المفتعل ويدخلهم في متاهات لا قبل لهم بها ويجعلهم بدل أن يساهموا في تنوير الرأي العام الوطني وتعبئته يقعون في مغالطات بل وينساق بعضهم مع تفسيرات وتأويلات معادية لمصالح المغرب وقضيته المركزية، لذلك بات من الواجب على كل مكونات الإعلام المغربي التصدي لمثل هذه المظاهر، لصون قدسية الخبر المتعلق بقضية ملف وحدتنا الترابية، والتصدي لكل التأويلات والتعليقات المضللة، والمساهمة بشكل فعال ودائم وبدون هوادة في تعبئة رأي عام وطني قادر على أن يدافع بشراسة عن ثوابتنا الوطنية في إطار التوجهات الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي منذ أن تربع على عرش أسلافه الغر الميامين لم يدخر جهدا في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية وثوابثها الراسخة.

د . حميد المرزوقي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*