حين تغيب القيم يتوارى الذوق العام

حين تغيب القيم يتوارى الذوق العام

بقلم منير الراجي

في استشكال لقضية الذوق العام الذي يقصد به كل تجارب الانسان التي يفسر على ضوءها ما يحسه أو يدركه من الأشياء.

لكن قبل أن نتوقف عند معنى الذوق العام في ثقافتنا، يجب العودة الى معجم المعاني، والوقوف على معنى الذَّوْقُ، حيث تما تعريفه بأنه هو: آدابُ السلوك التي تقتضي معرفة ما هو لائق أو مناسب في موقف اجتماعيّ معيّن قلّة/ حَسَنُ الذوْق، قليل الذَّوْق: خشن المعاملة.

اذا كلها معاني تصب في سياق واحد مفاده أن الذوق هو حسن اختيار الشيء، قد يكون عن طريق الإحساس او الادراك، أي إدراك الشيء بالعقل، أو بمعنى أخر سمو قيم الجمال والاحترام. في زمن تلاشت فيه القيم وانهار الذوق العام.

إن المتتبع لحياتنا الثقافية والاجتماعية يستشعر ما نقصده ونعنيه بتراجع او استباحة الذوق العام، خاصة أمام السيل الجارف للثقافات الدخيلة، التي تنخر المروءة وتخدش الذوق العام، الذي ينبني على سلوكيات واختيارات وقواعد تعكس هوية المجتمع، وتحافظ على الذوق السليم للقيم المشتركة التي تضبط طريقة التعبير والتعامل مع الآخر، وسلوكيات الفضاء العام التي يتوافق عليها المجتمع.

لكن قبل ان نكتشف ما يعتري ثقافتنا اليومية علينا أن نتساءل والسؤال مشروع هنا.

هل غياب الذوق العام مؤشر على انهيار المنظومة القيمية في المجتمع؟ ما دور الأسرة والمدرسة في ترسيخ قيم وسلوكيات تحترم الذوق العام؟ وما هي أبرز المظاهر التي تدل على تراجع الذوق السليم داخل المجتمع؟ وهل فقدت جمالية الفن في ظل الاستسهال والتسليع؟ كلها تساؤلات تتقاطع في نقطة واحدة، مفادها أن المجتمع الحالي يعيش متغيرات على جميع الأصعدة، بدء من السلوكي الى الهوياتي وصولا الى القيمي.

إن التفاعل اليومي مع مختلف القضايا والأحداث التي نصادفها كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية…، هي انعكاس مباشر لما نعيشه من تردي وفوضى تعصف بكل شيء يحمل سمة الجمال والإبداع، الأمر الذي يفسر أن هذا التفاعل سلبي بالدرجة الأولى أكثر مما هو إيجابي.

اذا ما قيمة الحياة دون احترام الآخر، رغم اختلافنا معه، فاحترامه واجب أخلاقي، ليس القصد التوافق التام أو الانسجام الكامل، بل ذلك الحد الأدنى من الاحترام الذي يفترض أن يحكم أي علاقة إنسانية.

احترام لا يلغي الاختلاف، بل يؤطره ويجعل منه فرصة للتكامل لا للتصادم.

لكن للأسف هذا الاحترام يتراجع يوما بعد يوم في مجتمعنا الحالي، حيث صرنا نمارس الإقصاء بدل الحوار، والتسفيه بدل النقاش، والاستعلاء بدل الفهم، ندهس على مشاعر الآخرين باسم “الحرية الشخصية”، ونخدش الذوق العام باسم الجرأة.

ذلك الذوق الذي تحكمه أخلاق وقيم إنسانية مشتركة تشكلت ونمت، وتجاسرت عبر أزمنة لتكون صمام أمان لحياتنا العامة والخاصة، وتشربنا منها معنى الحب والإخلاص ومعنى الاعتراف والوفاء، ومعاني عديدة وقيم إنسانية.

نعيش اليوم في فضاء عام أصبح صاخبا ومشوشا، تغيب عنه الملامح الأصيلة، والمعاني الجميلة.

دعنا نتوقف قليلا ونلقي نظرة سريعة على ما يُنتج اليوم من موسيقى وأعمال درامية وسينمائية تؤكد لنا أن هناك أزمة حقيقية في الذوق العام.

الموسيقى صارت أقرب إلى ضجيج بلا روح، غابت عنها الكلمة الراقية واللحن العميق، الكلمات أصبحت سطحية بلا إحساس ولا رؤية.

نحتاج اليوم إلى إعادة بناء الذوق العام، ليس عبر قوانين تفرض، بل عبر وعي يبنى، وتربية تغرس في البيت والمدرسة والإعلام.

نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار للجمال، للكلمة للفكرة، للفن الحقيقي، وللمعنى العميق للإنسانية.

قد لا نغير الواقع بجملة أو كتابة، ولكن لا بد أن نبدأ من مكان ما أن نرفع الصوت، أن نتمسك بما تبقى من جمال وقيم.

فالذوق العام ليس ترفا، بل هو صمام أمان يضبط إيقاع حياتنا.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*