الأغلبية الحكومية بين فشل الدولة الاجتماعية وضياع البوصلة التنموية

زلة قلم:

الأغلبية الحكومية بين فشل الدولة الاجتماعية وضياع البوصلة التنموية

بقلم: عبدالهادي بريويك 

في لحظة سياسية دقيقة، وبخطاب مفعم بالوعود، جاءت الأغلبية الحكومية الحالية إلى سدة الحكومة متسلحة بشعار “الدولة الاجتماعية” ومضامين النموذج التنموي الجديد، الذي اعتبر آنذاك تعاقدا وطنيا جامعا بين الدولة والمجتمع.

غير أن المسافة بين الأقوال والأفعال سرعان ما اتسعت، ليجد المواطن نفسه أمام واقع مغاير: غلاء مطّرد، تراجع في جودة الخدمات الأساسية، وتآكل في الثقة السياسية، مقابل مشهد حكومي يفتقر إلى الانسجام والرؤية، تغلب عليه منطق الحسابات الضيقة أكثر من منطق البناء المشترك.

فشل الدولة الاجتماعية: الوعود تذروها الرياح:

جاء البرنامج الحكومي حاملا وعودا كبرى بإرساء أسس “الدولة الاجتماعية”، عبر تعميم الحماية الاجتماعية، إصلاح التعليم والصحة، وتعزيز العدالة المجالية.

غير أن هذه الوعود لم تجد طريقها إلى التفعيل الحقيقي.

فالمواطن المغربي ما يزال يواجه صعوبات متزايدة في الولوج إلى الخدمات العمومية، في وقت تشهد فيه القدرة الشرائية تآكلاً غير مسبوق بفعل موجات متتالية من الغلاء، مقابل غياب تام لأي إجراءات فعالة لتخفيف العبء عن الفئات المتوسطة والهشة.

وبرامج الدعم المباشر، التي كانت من أبرز نقاط الالتزام الحكومي، إما وُلدت متعثرة، أو بقيت حبيسة القرارات الغامضة، دون أثر ملموس على أرض الواقع. وهو ما يثير تساؤلات حقيقية حول جدية الحكومة في الانتقال من منطق الإعلان إلى منطق التفعيل.

النموذج التنموي الجديد: وثيقة بلا أفق؟

حين أطلق المغرب “النموذج التنموي الجديد”، واجتهدت الأحزاب السياسية والفعاليات الحقوقية والمدنية في تضمينه بمقترحات قيمة، كان الهدف واضحاً: بلورة مشروع وطني جامع، يقطع مع المقاربات الترقيعية، ويؤسس لرؤية تنموية شاملة، ترتكز على الكرامة، والمساواة، والنجاعة.

إلا أن الحكومة الحالية أظهرت منذ البداية ضعفا بنيويا في التفاعل مع مضامين هذا النموذج، بل بدا وكأنها تتعامل معه كوثيقة استشارية ثانوية، لا كإطار مرجعي مُلزم.

هذا الانسلاخ عن روح النموذج التنموي الجديد، وغياب استراتيجية حكومية واضحة لتفعيله، يُفقد الحكومة مصداقيتها السياسية، ويفتح الباب أمام ارتباك مؤسساتي ينعكس سلبا على الأداء العام، ويزيد من عمق الأزمة الاجتماعية.

تحالف سياسي بلا مشروع

في ظل هذا الواقع، تبدو الأغلبية الحكومية الحالية كجسم سياسي بلا روح، يجمعه تحالف هش، يخلو من أي رؤية مشتركة أو انسجام حقيقي. تحالف تحكمه المصالح الظرفية، أكثر مما تحكمه المبادئ أو البرامج.

فالحكومة، في كثير من الملفات، تُظهر تبايناً في المواقف، وغموضاً في اتخاذ القرار، وارتباكاً في التواصل، ما يعكس غياب قيادة سياسية قادرة على تحمل المسؤولية والاحتكام إلى منطق الدولة، لا منطق التحالفات الموسمية.

المعارضة البرلمانية: صوت الكفاح السياسي

في المقابل، تبرز المعارضة البرلمانية كفاعل سياسي يحاول، رغم الإكراهات، أن يصون مبدأ الكفاح السياسي الحقيقي. فخطابها، وإن اختلفت توجهاته، يتميز بوضوح في المواقف، وحرص على مساءلة الحكومة، وتنبيهها إلى انحرافها عن الالتزامات الدستورية والتنموية.

لقد نجحت المعارضة، إلى حد بعيد، في أن تكون ضميراً يقظاً داخل المؤسسة التشريعية، مدافعة عن الحقوق الاجتماعية، وعن وحدة المشروع الوطني، في وقت تزداد فيه الهوة بين المواطن والمؤسسات.

من المسؤول؟

المشهد السياسي المغربي اليوم يطرح سؤالا عميقا: من المسؤول عن هذا الانفصام بين ما وُعد به المواطن، وما يعيشه من واقع صعب؟ هل نحن أمام حكومة لا تملك أدوات التفعيل، أم أمام أغلبية فقدت البوصلة واكتفت بتقاسم السلطة دون مشروع جامع؟

ما هو مؤكد أن الوطن لا يحتمل مزيداً من التجريب السياسي، ولا مزيدا من التذرع بالإرث الثقيل. فالوقت يتطلب مسؤولية وطنية حقيقية، تتجاوز منطق التحالفات الشكلية نحو بناء تعاقد سياسي جديد، يُعيد الاعتبار للفعل السياسي، ويُعيد الثقة إلى المواطن.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*