زلة قلم :
“إنني لا أرى وجهي في المرآة حمارا يا سيدي ”
بقلم: عبدالهادي بريويك
في مدينةٍ تتغيّر فيها الواجهات أكثر مما تتغيّر السياسات، استُدعي المواطن ” قاسم” إلى المكتب المعروف باسم “مكتب تصحيح الرؤية”.
مكتب واسع، بارد، يُشرف عليه رجالٌ ببدلات أنيقة وأعين لا تنطق الا بالغمزات.
جلس قاسم أمام أحدهم، رجل لا يعرف من أين يبدأ، لكنه دائما يعرف كيف ينتهي باللوم على من أمامه.
قال الرجل بنبرة تقريرية:
– حسب ما وصلنا انك ، ترى الأشياء بشكل غير منضبط.
– لا أفهم…
– لدينا اخبار وشهادات بأنك تشتكي، وتُبدي امتعاضك من الأسعار، والمواصلات، والخدمات. هذه أعراض خطيرة يا سي قاسم.
تنحنح المسؤول، ثم أشار إلى مرآة ضخمة مثبتة في الجدار.
– تلك المرآة كاشفة. لا تكذب. كل من مر من هنا، عرف حقيقته.
وقف قاسم واقترب من المرآة. نظر طويلاً.
رأى رجلاً…
وجهه مرهق من ركوب الحافلات، من الوقوف في طوابير المستشفى، غلاء الأسعار،ارتفاع النفقات على قلة وندرة التحفيزات و المداخيل ، من تقليب الراتب بين عدد من الفواتير.
عاد إلى مقعده وقال بهدوء:
– لا أرى في المرآة إلا وجهي.
قال الرجل مبتسما بسخرية:
– ألا ترى الأذنين الطويلتين؟! ألا ترى ذيلك؟
– لا، يا سيدي. لا أرى إلا إنسانا تعب من وعود بلا أفعال.
ضرب المسؤول الطاولة وقال:
– هذا إنكار!
– بل هو وعي يا سيدي.
صمت الرجل قليلًا، ثم أضاف:
– المواطن الصالح هو من يرى في نفسه التقصير، لا من يُحمّل المسؤولية للغير.
ضحك قاسم لأول مرة وقال:
– إن كنتم تبحثون عن مواطنٍ يرى نفسه حمارًا كلما فشلتم في تدبير شؤونه… فابحثوا عن مرآة تعكس خيبتكم، لا وجهي.
وقف، وهمّ بالخروج.
قال الرجل بنبرة تهديدية:
– سنكتب في تقريرك: “مُخالف، لا يتجاوب مع رؤية الدولة.”
رد قاسم:
– بل اكتبوا: “رأى نفسه بوضوح، ولم يجد حمارًا.”
– ولأنني لا أرى نفسي كما تريدون، فأنا أرتاح… ولو قليلًا.
خرج قاسم إلى الشارع.
نفس الأرصفة، نفس الحفر، نفس العناوين في الجرائد.
لكنّه هذه المرة، كان يحمل في عينيه مرآة مختلفة:
مرآة لا تبيع له أوهاما… ولا تطلب منه أن ينهق ليكون مقبولاً
