تلعثم رئيس الحكومة المغربية في الأمم المتحدة: زلّة لسان أم صورة مختلّة؟

تلعثم رئيس الحكومة المغربية في الأمم المتحدة: زلّة لسان أم صورة مختلّة؟

عبد الهادي بريويك

في لحظة يُفترض أن تكون عنوانًا للهيبة والدبلوماسية والرقي الخطابي، تحوّلت تلاوة رئيس الحكومة المغربية لخطاب المملكة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مادة جدلية، أثارت الاستغراب والسخرية والتساؤلات. الموقف لم يكن عابرًا، ولا بسيطًا في رمزيته؛ إذ سجّل تلعثمًا واضحًا، وأخطاء لغوية فادحة، بل وعجزًا عن قراءة خطاب مكتوب بلغة يفترض أنها رسمية في الدولة، ومعلنة في دستورها.

ليس من المستغرب أن يخطئ الإنسان، فكل متحدث قد يتعرض للارتباك أو النسيان، لكن ما حدث في هذا السياق لا يمكن اختزاله في زلة لسان أو ارتباك عارض.

نحن هنا أمام خطاب وطني يُلقى في محفل دولي، تُنقل كلماته مباشرة إلى العالم، ويُفترض أن يعكس صورة دولة بتاريخها وثقافتها ومواقفها السياسية.

والأدهى أن رئيس الحكومة لم يكن مطالبًا بإبداع إنشائي، بل فقط بقراءة نص مكتوب، صيغ بعناية من طرف الدبلوماسية المغربية.

وحين تعجز أعلى سلطة تنفيذية في الدولة عن قراءة خطاب باللغة العربية، فإن الأمر يتجاوز الخطأ العفوي، ليطرح إشكالًا حقيقيًا حول مكانة اللغة العربية في نفوس النخب السياسية، ومستوى التحضير والجدية في تمثيل الوطن خارجيًا.

اللغة العربية، في هذا السياق، ليست مجرد أداة للتواصل، بل رمز سيادي وهوية وطنية جامعة.

وقد بدا واضحًا، في لحظة الخطاب، أنها لم تُمنح ما تستحقه من احترام وإتقان.

بل إن هذا التلعثم، وهذا الضعف اللغوي الفج، أرسل رسائل سلبية عن صورة المغرب الرسمي، وكأن لسانه يثقل عليه إذا نطق بالعربية، رغم أنها لغة الدستور، ولغة جزء كبير من خطاب الدولة أمام المجتمع الدولي.

المفارقة الصادمة أن ما حدث لم يثر فقط الإحراج، بل أشعل موجة من السخرية الشعبية والانتقادات في الإعلام والمنصات الاجتماعية.

كثيرون رأوا في الأداء المهتزّ لرئيس الحكومة نوعًا من الاستخفاف بالمهمة التي كُلّف بها، وبمكانة المغرب أمام المنتظم الدولي.

فحين لا يتم التحضير الجاد لمثل هذه اللحظات، ولا يُتخذ القرار الحكيم بإلقاء الخطاب بلغة يتقنها المسؤول، فإن ذلك يعكس خللًا في تقدير حجم اللحظة وأهميتها السياسية والرمزية.

هذا الموقف أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول الكفاءة اللغوية لدى المسؤولين المغاربة، وحول ما إذا كان يجري اختيارهم بناءً على مؤهلات حقيقية، أم فقط ضمن منطق الولاء الحزبي أو التوازن السياسي.

كما أنه يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن إقناع الأجيال الصاعدة بأهمية اللغة العربية، وهي ترى ممثليها الرسميين يعجزون عن نطقها بشكل سليم أمام العالم؟

ما وقع في نيويورك ليس تفصيلًا هامشيًا.

إنه مرآة تعكس خللًا في الإعداد والتكوين، وتفضح نوعًا من الجفاء بين الطبقة السياسية ولغة الدولة.

وكان من الممكن تدارك الموقف، ولو بقدر من التواضع، عبر اختيار من يُجيد الإلقاء، أو عبر تلاوة الخطاب بلغة أخرى يتقنها المتحدث، في إطار الشفافية والاحتراف. لكن ما حدث للأسف يؤكد أن هناك من لا يزال يتعامل مع رمزية اللغة وخطورة اللحظة بنوع من الاستخفاف، وكأن الصورة لا تهم، ولا الكلمة تُحسب.

إن خطاب الأمم المتحدة ليس مجرد وثيقة دبلوماسية، بل لحظة سيادية، تُفترض فيها الصرامة والوقار. وكل هفوة تُرتكب في مثل هذه المناسبات لا تمس بالشخص، بل بالوطن الذي يمثله. والتاريخ، كما نعلم، لا يرحم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*