“لماذا نحن فقراء رغم أننا صادقون وأمناء؟”

زلة قلم
“لماذا نحن فقراء رغم أننا صادقون وأمناء؟”

بقلم: عبدالهادي بريويك

في هذا العالم المتخم بكل شيء إلا الإنصاف، هناك زاوية صغيرة يجلس فيها الفقراء… لا في الجيوب، بل في الحظوظ.
أولئك الذين يحيون أعمارهم بصدق نادر، ويخيطون أيامهم بخيوط الأمانة، كأنهم يعاملون الزمن كما تُعامل الأمانة التي لا تُفرّط.
لكنهم – رغم هذا النقاء المتراكم – لا يملكون ما يُحسد عليه، إلا قلوبا لم تتلوث، وأياد لم تتورط في خيانة، وأرواحا لم تُقايض قيمها بثمن.
يسيرون في الحياة كما السنابل المثقلة، منحنين تواضعا، لا ضعفا.
يعطون دون انتظار، ويبذلون دون مقابل، لكن كلما مدّوا كفّهم، أغلقت الدنيا يدها في وجوههم.
أحقا لم يعد الصدق جواز سفر؟
أصار الوفاء عُملة بائرة لا تُصرف إلا إذا صُبغت بدهاء؟
نحن – الذين لم نسرق فرصة، ولم نُزاحم في زيف – لماذا لا تُفتح لنا الأبواب؟
لماذا كلما دعونا، نزل المطر على غيرنا، وابتلت أرواحنا بالخيبة لا بالماء؟
ربما لأننا نُختبر في صبرنا…
وربما لأن الذهب الحقيقي لا يُعرض في واجهات المتاجر، بل يُحتفظ به في الأعماق.
أو لعل الله يدّخر لنا رزقًا آخر…
رزقًا لا يُقاس بالدراهم، بل بالسكينة،
لا يُورث مالًا، بل كرامة،
رزقًا لا تراه العيون، بل تبصره القلوب.
نحن لا نأسف على صدقنا،
ولا نخجل من فقرنا،بل نخجل من زمنٍ أصبح فيه الشرف قيدًا، وأضحى الكذب طريقًا سريعًا نحو القصور.
لكننا – رغم رضا القلب – لا ننكر أننا نُريد أن نعيش كما يعيش غيرنا؛
نُحب أن نرتاح، أن نحيا بكرامة لا تُرهقنا، أن نتمتع ببعض ما تمنحه الحياة، لا حسدًا لأحد، بل لأننا بشر… نحلم ونستحق.
نُريد أن نذوق طعم الراحة دون أن نخون مبادئنا،
أن نلبس الجميل، ونأكل الهنيء، ونمشي مرفوعي الرأس،
لا لأننا تنازلنا، بل لأننا صمدنا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*