الفرح والغضب.. سوء فهم وطني

الفرح والغضب.. سوء فهم وطني

*عبد المجيد الفرجي

يا للعجب من وطن فيه “المعارضة” تُحِبّ الكوارث التي تحدث بالبلد لأنها تُثبت نظريتها،

وفيه “الموالاة” (نقلا عن القاموس السياسي اللبناني) تحبّ المعجزات لأنها تُثبت ولاءها،

وفي الحالتين… لا أحد يحبّ الحقيقة لأنها بلا “لايكات”! كما هو حال هذا النص الذي تقرأه الآن ولن تضع عليه لايك، (لا أقصدك أنت الذي سيضع لايك! ) 

نعيش في زمن إذا انتصرت فيه كرة القدم صار ذلك، أفيونا للشعوب، ودليلًا على نجاح الدولة،

وإذا خسرت المباراة صار ذلك انتقامًا من الشعب!

كل شيء عندنا مؤامرة… حتى إذا أقام الناس صلاة الاستسقاء، فامطرت السماء قالوا “استمطار صناعي” على وزن استحمار/ذكاء صناعي، 

يا سلام على الذكاء!

جيلٌ خرج يطالب بالتعليم والصحة، فاتهموه بأن وراءه “جهات خارجية”،

ثم نفس الجيل عاد بعد أسابيع قليلة ليهتف للمنتخب، فاتهموه بأن وراءه “الداخل”!

جيل يعيش بين مطرقة المؤامرة وسندان الوطنية المفروضة بالتصفيق الإجباري.

هذا الجيل: جيل زيد، يعلن الاحتجاج يوم السبت، ويحتفل يوم الأحد ،

ينزل إلى الشارع غاضبًا من “الفساد”/ “النظام المخزني”، ثم يرفرف بعلم الوطن في نهاية الأسبوع،

وكأننا أمام تجربة سريرية في التناقض الإيجابي!

جيل يريد الإصلاح، لكنه أحيانًا يغشّ في الامتحان باسم “المقاومة التربوية”.

يرفع شعار “لا للفساد”، وهو يرسل سيرته الذاتية عبر “واسطة قريب أو صديق”.

جيلٌ ذكيّ جدًا، لدرجة أن بعضه يرى في الملك محاوره الأول والأخير يريد ملكية برلمانية لا تحكم ويطلب من نفس المؤسسة بأن تحل الأحزاب… أي أن تحكم حكما مطلقا بهذا المعنى وتمنحها صفة لا ديموقراطية… فهم تسطى…!

لكن المشكلة ليست في هذا الجيل، الذي على الاقل يحلم، وليس كسابقيه الذين أضحوا ركابا عاديين في القطار.. قطار “التنمية”.. بل هناك من يحاول الركوب على ظهر جيل زيد مثل حصانٍ إعلاميٍّ متعب،

فيحاول المتاجرة بغضب الشباب كما يتاجر الآخرون بالولاء.

في بلدٍ صار فيه “الناقد” يطلب تمويلًا، و”المدافع” يطلب ترقية.

ثم يأتي نفس الجيل، جيل زيد، ليُذهل الجميع:

يسافر إلى الشيلي، يفوز بكأس العالم للشباب، ويرجع مرفوع الرأس.

نفس الوجوه، نفس القمصان، نفس البلد.

الفرق فقط أن الكاميرا كانت هذه المرة في الملعب، لا في المظاهرة.

وفجأةً صار الفرح “مشبوهًا”، والرقص “رسالة مخابراتية”!

ومع ذلك، لا أحد يمكنه القول بأن هذا الجيل نسي مطالبه في التعليم والصحة.

لكنه ببساطة لم يقبل أن يكون وقودًا في معركة قديمة بين من يكرهون النظام،

ومن يعشقونه أكثر من الوطن نفسه.

لم يقبل أن يصبح بوقًا لأحد، ولا ديكورًا لأحد.

نعم، هناك فساد وسوء تدبير،

لكن هناك أيضًا وطنٌ يُبنى رغم الجميع، رغم الفاسدين، ورغم المتذمرين.

الوطن لا يعيش في القصور ولا في الشوارع،

بل في ذلك الحلم الصغير عند شابٍّ يريد أن ينجح بلا وساطة.

والفساد، بالمناسبة، ليس “نظامًا”، بل عادةٌ جماعية.

نزرعه في أول امتحان نغشّ فيه،

نسقيه حين نطلب خدمة بلا حق، ويكون النضال بالإنزال في المقر المركزي للحزب حتى نيل وظيفة أو قضاء غرض؛

ثم نلوم الحكومة لأن الشجرة كبُرت!

الفن لا يطعم خبزًا لكنه يصنع من الإنسان خبّازًا محترمًا،

والرياضة لا تشغّل الجميع لكنها تُعلّمك أن تصرخ للفريق بدل أن تلعن الوطن.

الإنسان الذي يعرف الفرح يعرف كيف يطالب بحقوقه دون أن يتحوّل إلى كاره،

ويعرف كيف يكره الفساد دون أن يكره وطنه.

فلنفرح، نعم، ولننتقد، نعم،

لكن لنكفّ عن جلد من يحاول أن يبني ولو بفرحة،

ولنكفّ عن عبادة من يهدم باسم “الصدق”.

لأن الفرح، ببساطة، هو أول خطوة نحو الشفاء، كما يفعل المسرح أبو الفنون وكرة القدم ” أم الرياضات” 

ولأن بعض الناس، لو فاز المغرب بكأس المجرة،

لقالوا: “أكيد صفقة بين النظام العالمي مع الكائنات الفضائية، فيها فساد في المجرة العليا!”.. وإذا فشل : فالأمر يتعلق بمؤامرة كونية اتجاه النظام والشعب… افرحو رحمكم الله

ملحوظة: أشير إلى أن الفيديو ممنوع على محبي الفرح لأنه مشحون بالغضب..

*إعلامي َمسرحي مغربي مقيم بإيطاليا

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*