من يريد تبخيس قيمة السلطة الرابعة؟

*من يريد تبخيس قيمة السلطة الرابعة؟*

سياسي: بقلم رشيد لمسلم

هناك أحداث تمرّ أمامنا كغيمة صيف، وأحداث أخرى تكشف حجم القلق الذي يعتري علاقتنا بالصحافة وبالحقيقة. الشريط المتداول للصحافي حميد المهداوي، وما رافقه من ضجيج أخلاقي وسياسي، ينتمي إلى الفئة الثانية.

لم يعد الأمر نقاشا حول تصرّف فردي أو زلة مهنية، بل تحول إلى مناسبة ذهبية للبعض لتصفية حسابات قديمة مع “السلطة الرابعة”.
الملاحظ في هذا النقاش أنه لم يُبنَ على مبدأ ولا على معيار واحد.

فبدل أن يكون حديثا هادئا حول أخلاقيات المهنة، انقلب إلى محاولة جماعية لجر الصحافة إلى ساحة التشهير والتبخيس.

أصبح الصحافي – أي صحافي – مشروع تهمة جاهزة، يكفي أن تهب رياح مناسبة حتى تُشهر ضده أسلحة الأخلاق والسياسة والعلاقات.
ما يجري اليوم ليس نقدا للصحافة، بل نقد لوجودها نفسه. ثمة رغبة، مكتومة أحيانا وصريحة في أحيان أخرى، في رؤية الصحافة ضعيفة، خافتة، مترددة.

يريدونها بلا أسنان.

يريدونها مجرد دفتر محاضر يُسجل رواية واحدة، ويُغلق بعدها الباب.
لنقلها بصراحة: الصحافة التي لا تُزعج أحدا ليست صحافة، بل ملصق دعائي.

والصحافي الذي يخشى الصوت المرتفع لن يستطيع أن يواجه الضجيج الحقيقي داخل المجتمع.

نعم، قد يخطئ صحافي أو ينفلت لسانه أو يسيء التقدير، وهذه طبيعة العمل الذي يشتغل في منطقة رمادية بين الحرية والمسؤولية.

لكن تحويل الخطأ الفردي إلى ذريعة لجلد المهنة بأكملها أمر لا علاقة له بالأخلاق، بل بالرغبة في إسكات الصوت المختلف.
ما الحاجة إلى “جلسات أخلاق” إذا كانت الأخلاق نفسها تُستدعى فقط حين يصبح الصحافي مزعجا؟

ولماذا لا نرى هذا الغضب عندما تُنتهك أخلاقيات السلطة أو المال أو السياسة؟

لماذا الأخلاق هنا مجرد سيف يُشهر على رقبة الصحافة دون غيرها؟
في النهاية، السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: ماذا قال المهداوي؟

بل: من يستفيد من هذه العاصفة؟
من ينتظر كل خطأ وكل شريط وكل سقطة ليصرخ: “ها قد سقطت الصحافة”؟
ومن الذي يراهن على إضعاف القطاع حتى لا يبقى في المشهد سوى “صحافة الحياد الزائد”… أي الحياد الذي يشبه الصمت؟
الأكيد أن الديمقراطية لا تتقوى بتأديب الصحافة، بل بتحصينها.

ومن يريد تجريد السلطة الرابعة من هيبتها، يضعف السلطة الأولى والثانية والثالثة أيضاً، لأنها لا تكتسب معناها إلا بوجود عين تراقبها وصوت يحاسبها.
أما من ينتشون كلما اهتزّت صورة صحافي، فليتذكّروا أن قتل الرسول لا يلغي الرسالة… بل يقتل القدرة على سماعها.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*