مغرب العربات وسياسة الخزعبلات؟

مغرب العربات وسياسة الخزعبلات؟

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين –

 

مع توالي سنوات الجفاف، تزايدت الهجرة القروية إلى المدن، في ظاهرة اجتماعية لم تنل ما يكفي من الدراسة والتحليل. لكن ما هو مؤكد أن هناك نتيجة واضحة للعيان بدأت تفرض نفسها بقوة، وهي ما يمكن تسميته بـ “ترييف المدن”.

لا يمكنك التجول في شوارع وأزقة المدن الكبرى والصغرى دون أن تلاحظ الحجم المتزايد للمواطنين الذين وجدوا في الفضاء العمومي – من ممرات للراجلين، ومواقف للسيارات – مكاناً مناسباً لممارسة نشاطهم التجاري.

في السابق، كان الأمر مقتصراً على “الفراشة” الذين يفترشون الأرصفة بسلعهم. لكن اليوم، ظهرت ظاهرة أكثر خطورة وتغلغلاً، وهي المتمثلة في:

العربات المجرورة التي تجوب الأحياء.

العربات الثابتة التي تحدد لها مكاناً أمام الأسواق، المؤسسات، أو على جنبات الطريق.

الغريب أن هذه العربات تطورت لتصبح محلات متنقلة مجهزة بالإنارة، وتقدم كراسي للزبائن، ويتفنن أصحابها في تسمية مأكولاتهم الخفيفة بأسماء أشهر المطاعم العالمية والمحلية!

إن الحجج التي تُساق لتبرير هذا الوضع هي: “عدم قطع الأرزاق”، “فسح متنفس للمغلوبين”، و**”غياب المحاسبة للمفسدين”**.

هذه الاعتبارات تستوجب عملياً القبول بالريع، وبالاقتصاد غير المهيكل، وبالتهرب الضريبي. وكأننا بذلك نقول إننا دولة تسن القوانين، لكنها تسير بالعرف وبمراضاة المواطن، طالما أنه يسترزق ويتعايش ووفيٌ لوطنه ومؤسساته.

في المقابل، نجد مواطنين يملكون محلات يفترض أنها مخصصة للنشاط التجاري، لكنها تظل مغلقة. والسبب يعود إلى:

طبيعة الضرائب المفروضة.

تعقيدات عقود الكراء أو الاستغلال.

مما وضعنا أمام وضع شاذ:

“الفراشة” يستغلون الأماكن أمام المحلات المغلقة.

أصحاب المحلات عاجزون عن استغلال ملكيتهم لأن النظام الضريبي لا يسعفهم لممارسة تجارتهم بكل حرية وفق القوانين.

بقاء الوضع على حاله اليوم هو أمر لا يسعف الدولة في تكريس الثنائية المتلازمة: الحقوق في مقابل الواجبات والعكس صحيح.

لذلك، تبدو الدولة بشكل محتشم تحاول وعازمة على حل المعضلة وتجاوز العرفي لتكريس القانون.

برنامج الإدماج الحكومي:

لقد أشار وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، في جلسة برلمانية سابقة، إلى أن الدولة تشتغل منذ سنة 2016 على تنزيل برنامج خاص بـ إدماج الباعة المتجولين في القطاع المنظم. ويشمل البرنامج محاور عدة:

إحداث “أسواق الأزقة” بهدف تنظيم الباعة المتجولين في الفضاءات التي يتواجدون فيها حالياً.

تزويد الباعة المتجولين (ومنهم بائعو السمك) بـ دراجات نارية يتجولون بها لبيع بضاعتهم.

تخصيص أسواق قارة يستقر فيها الباعة المتجولون بشكل دائم، وقد بدأ تنزيل هذا البرنامج في مدن مثل الدار البيضاء والرباط.

لكن هذه المشاريع تجد في الواقع مقاومة وعراقيل مرجعيتها مستمدة من تفشي الفساد.

قبل سنوات، تم سن ضريبة الأراضي غير المبنية. وفي المراحل القادمة، يبدو أننا مطالبون بسن “ضريبة المحلات غير المفتوحة”، مع اتخاذ إجراءات صارمة في مواجهة ظاهرة أصحاب العربات و”الفراشة”، وجميع أشكال التجارة غير الخاضعة للضريبة. يجب أن يواكب ذلك إصلاح شامل لقانون العقود والالتزامات، وعقود الكراء والتسيير.

غير ذلك، فسوف يتحول الشارع بمحتليه إلى قوة اقتصادية ضاربة تهدد تماسك المؤسسات، حتى لو ضمنت السلم الاجتماعي.

تذكروا أننا لا نبني قبيلة، بل نكرس مؤسسة.

فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*