**حين يضع الدستور حدودا للاندفاع التشريعي!!*
*بقلم: عبد الهادي بريويك – موجز في القانون العام*
لم يكن قرار المحكمة الدستورية بشأن جزء من مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية قرارا عاديا، فمنذ لحظة نشره، بدا واضحا أنه أكثر من مجرد حكم تقني يراقب مدى انسجام نص قانوني مع الدستور؛ كان بمثابة تنبيه قوي لطريقة إعداد قوانين العدالة، ورسالة بأن الإصلاح لا يمكن أن يتقدم عندما يفقد احترامه للمبادئ الدستورية.
فالذي أوقف عددا من مواد المشروع لم يكن خلافا سياسيا ولا تنازعا بين أطراف، بل الدستور نفسه بصرامته وحدوده الواضحة.
*الإصلاح لا يُختزل في تسريع المساطر*
أوضحت المحكمة أن بعض بنود المشروع ذهبت بعيدا في تبسيط الإجراءات إلى درجة تهدد جوهر المحاكمة العادلة. فمثلا:
ـ التوسع في التقاضي عن بعد دون ضمانات كافية؛
ـ اعتماد آليات تبليغ غير دقيقة أو غير مضمونة الوصول، منح النيابة العامة صلاحيات قد تمس أحكاما نهائية مستقرة،
كلها خطوات قد تحمل نوايا التحديث، لكنها قد تضر بالمواطن إن لم تحترم الحدود الدستورية.
فالدستور يذكر الجميع بأن حق الدفاع، واستقلال القضاء، واستقرار الأحكام ليست مجالات للتجارب أو التقدير الواسع.
استقلال القضاء… خط أحمر
واضح، القرار أيضا أن استقلال القضاء ليس شعارا للاحتفال، بل مبدأ تراقبه المحكمة الدستورية نفسها.
فحين تمنح بعض المؤسسات التنفيذية – كوزارة العدل – صلاحيات تمس صميم العمل القضائي، سواء عبر الإحالة المباشرة أو التحكم في البنية الرقمية للمحاكم، يصبح التوازن بين السلط مهددا.
لذلك جاء تدخل المحكمة ليس لعرقلة الإصلاح، بل لحمايته من تجاوزاته المحتملة.
والمعارضة… حين يصيب النقد هدفه، برز موقف فريق التقدم والاشتراكية الذي طالب بإحالة المشروع على المحكمة الدستورية.
ورغم أن البعض رأى في ذلك موقفا سياسيا، إلا أن الواقع أثبت أن الاعتراض كان مبررا دستوريا.
فالدفاع عن المحاكمة العادلة واستقلال القضاء ممارسة سياسية ناضجة، وبهذا تكون المعارضة قد أصابت جوهر النقاش: حين تدافع عن الدستور، تصبح السياسة عملا نبيلا.
*الإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام الدستور*
ليس في إسقاط بعض مواد المشروع نهاية للإصلاح، بل ربما يكون بداية التصحيح.
فالعدالة تحتاج إلى تحديث، لكن تحديثا:
يحترم الدستور، يستمع لأهل المهنة، يوازن بين السرعة والإنصاف، وبين الرقمنة والضمانات.
إن إعادة صياغة قانون المسطرة المدنية بروح متوازنة ستؤثر على شكل العدالة بالمغرب لعقود قادمة.
وقد أعاد قرار المحكمة النقاش إلى مساره الصحيح، بعدما كان مهددا بالانزلاق نحو منطق: *“الإصلاح بأي ثمن”.*
بذلك تكون المحكمة الدستورية قد قدمت درسا عميقا:
ليس كل ما يسمى “إصلاحا” إصلاحا فعلا، وليس كل تعديل تشريعي خطوة نحو الأمام.
الإصلاح الحقيقي هو الذي يصمد أمام امتحان الدستور ويحمي حقوق المتقاضين أولا.
وبهذا المعنى، لم يسقط القرار مشروعا فقط، بل أعاد للدستور مكانته كحارس للحقوق، وللنقاش العمومي وزنه، وللإصلاح بوصلته الصحيحة.
