هي ليست دائمة !
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
عندما يتجاوز شخص مثلي السنة الثانية والستين من عمره، وتكون مطارق الزمن قد أحدثت أثرها فوق ثنايا جسده، يُستحسن أن يُكرّس ما بقي له من لحظات في الوجود، في التشبًع أكثر بقيمة العفاف، وفي الاجتهاد أكثر في قهر غريزة الطمع التي تحرك فيه الرغبة في الحصول على ما يمكن أن يستغني عنه، وأن يفهم أن الصراع الوحيد الذي يجب أن يكون لديه في الحياة، هو الصراع مع الأفكار، وليس مع الأشخاص، وأن القضايا التي ينبغي أن يُركز عليها في دنياه التي لم يبق له فيها أكثر مما أخذه منها، هي قضايا الروح الخفية، وليس قضايا المادة المتجلية.
فمثلا، شخص مثلي، سبق له أن رأى الموت وعانقه، أو لنقل إنه مات وبعث من جديد، بعد أن انقلبت به سيارته وهو يقودها بسرعة في الطريق السيار، بسبب لحظة عدم انتباه أدت إلى زيغها عن الطريق، فتدحرجت به وارتطمت بالأرض، وظهر أمام عينيه شريط حياته الماضية كلها في مشهد واحد غريب لم يستغرق سوى جزء من الثانية، فشعر أنه يسبح داخل ضوء ساطع، قبل أن ينتبه إلى حشد من السائقين وهم يكسرون الزجاج الأمامي لسيارته المُهشّمة كي يخرجوه منها، معتقدين أنه أصبح في العدم، هل يمكن أن يصدق هذا الشخص أنه حي فعلا، أم ينبغي أن يُدرك أنه مجرد صورة لكائن هُلامي يمارس دور كومبارس فوق خشبة معلقة بين السماء والأرض بخيوط العبث؟
هل الذي غرست حادثة السير تلك في أطرافه أنيابها، وجعلت منه شخصا محدود الحركة، يحتسي كؤوس الألم يوميا بلامبالاة، يمكن أن توجعه ضربات الوقت، التي قد تهوي على وجدانه بشراسة، سواء كانت مسبوقة بصراخ أو أتت متلفعة بالصمت؟
مثل هذا الجواد المُنهٓك بأنواء الرحلات الضاجة بصياح المتعاركين على اللاشيء، والصاخبة بضوضاء المتسابقين للفوز باللاشيء، والزاعقة بصراخ الحالمين ببلوغ قمة اللاشيء، من المُفتَرض أن يتوقف عن الركض في سباق تافه نحو نفخ البطون، وتسلق الدرجات من أجل الصعود إلى الأعلى حيث لا شيء سوى أزيز الريح، والاشرئباب نحو الأسفل حيث يقبع الفراغ في تجاويف اللامعنى.
فالرحلة حين يقترب موعد نهايتها، تتلاشى مشاعر القلق من مصيرها.
لا أريد شيئا.
أنا مستمتع هكذا، بما لدي.
لا أريد أن أصل إلى السحاب، كي أفجر مطرا أشرب منه دون الناس.
يكفيني أنني أكتب الحكايات التي أنتشلها من دائرة الفقدان.
لا أريد شيئا من أحد.
يكفيني ما لدي.
وإن سُدت باب، تُفتح أبواب.
وإن دعوت الله أن يمنحني من رزقه، فلكي أستطيع أن أتقاسم فرح ما أكسب، بمعية الناس.
يكفيني أن أحب الناس.
وأن أكره الحقودين والواهمين والمزهوين بمكانات لو كانت دائمة لدام القياصرة على مدى الزمان.
وهذا ما كان.
