جيل لا يهاجر هربا… بل سعيا إلى معنى
سياسي: رشيد لمسلم
ما تزال هجرة الكفاءات المغربية واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في المشهد الوطني اليوم، لأنها لم تعد خيارا فرديا أو مغامرة شخصية، بل ظاهرة جماعية تنمو في صمت، وتعبر عن أزمة أعمق من مجرد البحث عن راتب أفضل أو ظروف مهنية أريح.
إن مغادرة الأطر المؤهلة – من مهندسين وأطباء وباحثين وأساتذة جامعيين وطاقات رقمية صاعدة – تكشف شرخا متسعا بين طموح جيل جديد وسياسات حكومية ما تزال، رغم الإصلاحات، عاجزة عن مواكبة هذا الطموح أو احتضانه.
تؤكد الحكومة الحالية، في خطابها ومشاريعها، أنها تعمل على “الرفع من جودة الخدمات” و“توسيع الطبقة الوسطى” و“تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل”، كما تروج لسلسلة من الإصلاحات المالية والاجتماعية التي توضع ضمن “أفق المغرب الجديد”.
ميزانية 2026، على سبيل المثال، خصصت اعتمادات مهمة لقطاعي التعليم والصحة، في محاولة واضحة لامتصاص الغضب الاجتماعي ومعالجة الاختلالات التي فجرت احتجاجات الشباب خلال العامين الأخيرين.
غير أن الواقع على الأرض يكشف فجوة بين منطق الأرقام ومنطق التجربة اليومية التي يعيشها المواطن.
فالمشاكل البنيوية التي يعاني منها قطاعي الصحة والتعليم لا تحل بتخصيص موارد مالية إضافية فقط، بل تتطلب إصلاحا عميقا للنظام الإداري، وجرأة سياسية في معالجة الفساد، وتغييرا جذريا في طريقة تدبير الكفاءات داخل المؤسسات العمومية.
الشباب المغربي المتعلم لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يطالب ببلد يستطيع أن يمنحه ما يقدمه له الخارج: وضوح المسار المهني، الاعتراف بالكفاءة، بيئة العمل المحفزة، والحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
السياسة الحكومية الحالية، رغم إعلانها المتكرر عن “إرادة الإصلاح”، ما تزال محكومة ببنية تقليدية تعيق التغيير السريع الذي يتطلبه واقع عالمي يتحرك بسرعة غير مسبوقة.
صحيح أن المغرب يستقطب استثمارات ويطلق مشاريع كبرى، لكن السؤال الذي يطرحه الشباب اليوم بحدة هو:
ما نصيبنا نحن من هذه المشاريع؟
هل ستترجم فعلا إلى فرص شغل نوعية، أم ستظل مجرد أرقام في التقارير وخطب المناسبات؟
إن ما يدفع الكفاءات إلى المغادرة ليس فقط ضعف الأجور أو محدودية الفرص، بل الشعور المستمر بأن المستقبل هنا غير واضح، وأن سقف الطموح منخفض، وأن المؤسسات ما تزال بعيدة عن إيقاع جيل عاش جزء مهما من حياته في عالم رقمي مفتوح على الابتكار والمنافسة العالمية.
إنهم لا يغادرون هربا من الوطن، بل سعي نحو بيئة يجدون فيها أنفسهم.
وعندما يعجز الوطن عن احتضان أبنائه الأكثر تأهيلا، فإنه لا يفقد موارد بشرية فقط؛ بل يفقد جزء من قدرته على بناء مستقبل قوي ومستقل.
المفارقة المؤلمة أن الحكومة الحالية تعلن في أكثر من مناسبة أنها تسعى إلى “نموذج تنموي جديد”، لكنها لم تنجح بعد في تحويل هذا النموذج إلى واقع يشعر به المواطن.
ما يزال كثير من الشباب يرى أن القرارات تُصاغ من فوق، وأن الحوار الحقيقي غائب، وأن الإصلاحات لا تضعهم في قلب معادلة التنمية كما ينبغي.
إنّ وقف نزيف الكفاءات لا يمكن أن يتحقق بقرارات تقنية أو حملات إعلامية، بل يحتاج إلى ثورة ثقة: إصلاح عميق للإدارة، تحسين فعلي لظروف العمل، إشراك حقيقي للشباب في القرار العمومي، وتحرير الطاقات داخل المؤسسات. يحتاج إلى بيئة تعتبر الكفاءة ثروة وطنية لا يمكن التفريط فيها.
الهجرة ليست قدرا محتوما، لكنها تصبح كذلك عندما يشعر الشباب أن المستقبل في الخارج أقرب من أن يكون في بلدهم.
وحين يهاجر المستقبل قبل شبابه، يصبح الوطن أمام لحظة حقيقية: إما أن يراجع نفسه بجرأة، أو يخسر جيلا كاملا كان يمكن أن يكون رافعة اقتصادية واجتماعية ومعرفية غير مسبوقة.
