المغرب وسوق العمل: دوامة المتطلبات المتغيرة والمجهود الضائع
المغرب وسوق العمل: دوامة المتطلبات المتغيرة والمجهود الضائع
شاشا بدر
في المغرب، شباب اليوم يعيشون واقعًا صعبًا ومعقدًا حين يتعلق الأمر بالعمل. تبحث عن فرصة لتثبت نفسك، فتعطي كل ما عندك من مجهود ودراسة، لكنك تجد دائمًا حاجزًا جديدًا يغير كل شيء.
اليوم يطلبون منك باك، فأتيتهم تقول عندك باك، فيجيبونك: “لا، بغينا لي عندو تاسعة”.
عندما تحصل على تسعة، تقول لهم: “ها أنا عندي تاسعة”، فيقولون: “لا، بغينا لي عندو باكلوريا”. تحصل على الباك، فتظن أنك تجاوزت العقبة، فيطالبونك بأن تكون تقنيًا، فتتعلم وتقوي مهاراتك التقنية، وعندما تصل إلى ذلك يقولون لك: “لا، بغينا لي عندو سنتين دراسة في الجامعة”. وهكذا تتكرر الدوامة، وكأنك في سباق لا نهاية له، كلما ظننت أنك وصلت، يظهر شرط جديد لم يكن موجودًا من قبل.
هذا الواقع يخلق شعورًا بالإحباط والإرهاق لدى الشباب المغربي، وكأن كل المجهود المبذول في الدراسة أو التدريب لا يُقدّر. المشكل ليس فقط في الشروط المتغيرة، بل في غياب خطة واضحة وسليمة لسوق العمل. هناك فجوة كبيرة بين مؤهلات الشباب وما تحتاجه الشركات، وأحيانًا يتم وضع شروط تعجيزية لتقليل عدد المتقدمين بدلًا من جذب الكفاءات الحقيقية.
الشباب يجد نفسه محاصرًا بين ما اكتسبه من تعليم وما يتطلبه الواقع. في كل مرة يحاول أن يتقدم، يجد شرطًا جديدًا غير متوقع، ويفكر في إعادة توجيه حياته المهنية أكثر من مرة. هذه المعضلة لا تؤثر فقط على الفرد، بل على المجتمع بأسره، لأنها تحفز هجرة العقول نحو الخارج، أو اتجاه الشباب نحو الأعمال غير الرسمية، لأن النظام الرسمي يبدو أحيانًا بعيدًا عن فهم احتياجات الإنسان ومهاراته الحقيقية.
الوضع يعكس أيضًا قصورًا في تخطيط الموارد البشرية في المغرب، وغياب استراتيجية واضحة لربط التعليم بسوق العمل بشكل عملي. هناك حاجة ملحة لوضع قواعد ثابتة وعادلة، تحدد متطلبات الوظائف بطريقة منطقية وشفافة، وتضمن للشباب أن مجهودهم لن يضيع في دوامة المطالب المتغيرة.
إن المغرب يحتاج إلى رؤية جديدة لسوق العمل، حيث يكون التعليم والتكوين مرتبطين بواقع الاحتياجات الاقتصادية، وحيث يُقدّر الشباب على ما يمتلكونه من مهارات ومعرفة، بدلًا من أن يُتركوا في حلقة لا تنتهي من الشروط المتغيرة. هكذا فقط يمكن أن نمنع إحباط الشباب ونحفزهم على بناء مستقبلهم في وطنهم، بدلًا من البحث عن الفرص في الخارج أو الانخراط في أعمال غير رسمية قد لا تعطيهم الأمان والاستقرار الذي يستحقونه.
