قرابين المطر

*زلة قلم:* 

 *قرابين المطر* 

 *بقلم عبدالهادي بريويك*

 في بلادنا، لم يعد المواطن بحاجة إلى نشرة جوية، فالحكومة تكفلت بشرح كل شيء:

إن جاع الناس فبسبب الجفاف،

وإن غضبوا فبسبب الجفاف،

وإن ارتفعت أسعار الطماطم فالجفاف، وإن صعد ثمن السردين – ذلك الكائن البحري الذي لم ير الحقول يوما – فالجفاف أيضا.

يبدو أن الأسماك، بدورها، صارت تشرب من السدود الفارغة وتئن من شح الأمطار.

وكلما تجرأ مواطن على التنفس خارج الإيقاع الرسمي، أو نطق بكلمة اعتراض، سارعت الحكومة إلى إخراج بطاقة الطوارئ المناخية:

 *«نعتذر… الجفاف».* 

كأن الجفاف وزير ظل، أو مستشار استراتيجي، أو شماعة وطنية تُعلق عليها كل الأخطاء، من فشل السياسات إلى فراغ الوعود.

لكن المفارقة العجيبة تبدأ حين يجود القدر بالأمطار، وتهطل السماء، فيفرح الناس،ا وتدمع العيون، وترتفع الأكف بالدعاء…

ثم فجأة، تغلق قنوات الصرف، وتختفي مسالك المياه، وتنسى المدن كيف تبتلع المطر.

يتحول الغيث إلى غضب، والنعمة إلى نقمة، والماء – الذي انتظرناه سنوات – يهز البشر والطوب والحجر.

في تلك اللحظة، لا نسمع خطابا، ولا نرى بيانا، ولا نجد شماعة.

يصمت الجميع…

صمت مريب، ثقيل، أكثر رعبا من هدير السيول نفسها.

وفي ظل هذا الصمت، تزهق الأرواح بالعشرات، تشرد الأسر، تترمل النساء، وتتكسر الخواطر كما تتكسر الجدران.

وحين يسأل المواطن:

أين كانت البنية التحتية؟

أين ذهبت الميزانيات؟

من المسؤول؟

يأتيه الجواب غير المنطوق:

«ليس الآن… نحن في حالة طقس».

وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة عبثية:

إن لم تمطر، فنحن ضحايا الجفاف.

وإن أمطرت، فنحن ضحايا الإهمال. وفي الحالتين، المواطن هو المتهم الأول:

إما لأنه اشتكى، أو لأنه فرح بالمطر أكثر من اللازم.

فهل على الحكومة، مشكورة، أن تحدد لنا موقفا واضحا؟

هل نطلب من الله المطر فنتهم بالمجازفة؟

أم نسأله الجفاف فنكافأ بالأسعار الملتهبة؟

أم نكتفي بالصمت، لعل الصمت – مثل الحكومة – لا يغرق ولا يجف؟

في بلاد الكوميديا السوداء، حتى الدعاء يحتاج إلى ترخيص.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*