زلة قلم:
حكاية التبن العابر للمحيطات..او التبن المعولم
بقلم عبدالهادي بريويك
في غابة كانت تعرف قديما بـ”غابة السنابل”، حيث كانت الأعشاب تنبت بلا إذن، والقمح يلوح برؤوسه للريح، اجتمعت الحيوانات ذات صباح على خبر عاجل هز أركان الغابة.
الخبر جاء على منقار ببغاء ملون، لا ينقل إلا الأخبار “المعتمدة”:
“وصلت اليوم إلى ميناء الغابة أول شحنة تبن فاخر… مستورد من غابات بعيدة خلف البحر الكبير!”
ساد صمت ثقيل، قطعه الحمار وهو يمضغ آخر عود تبن محلي، وقال بدهشة بريئة:
تبن… مستورد؟
قفز الثعلب، مستشار الغابة الأول، وقد لمع ذيله فرحا:
نعم يا صديقي،” تبن بمعايير دولية، غني بالألياف، ومطعم بروح الغابات الاستوائية. لقد دخلنا عصر العلف المعولم!”
صفقت القردة المسؤولة عن الحسابات، بينما كانت تُخفي الدفاتر خلف ظهرها:
المهم أن المشروع نجح، والأرقام… جميلة جدا،
تقدمت السلحفاة العجوز، التي شهدت مواسم خضراء لا تعد، وسألت ببطء مزعج:
لكن… أليست هذه الغابة نفسها التي كانت تطعم نصف الغابات المجاورة؟ كيف صرنا نستورد التبن؟
تنحنح البوم، حارس الخطب الرسمية:
الأمر معقد: تغير المناخ، رياح عالمية، ظروف كونية… لا داعي للدخول في التفاصيل.
أما الحقيقة، فكانت مدفونة تحت لافتة ضخمة كتب عليها:
مشروع الغابة الخضراء الذي لم يفلح م أمد بعيد..
مشروع وعد الحيوانات بجنان دائمة، لكنه انتهى بممرات ورقية، واجتماعات طويلة، وصور تذكارية مع سنابل لم تنبت قط.
الحمار لم يحتج.
أكل التبن الجديد بصمت.
طعمه غريب، لكن معدته لا تعرف السياسة. أما باقي الحيوانات، فكانت تمضغ الأسئلة:
إذا كنا نستورد التبن، فهل سنستورد العشب؟
وإن نفد العشب، هل سنستورد الغابة نفسها؟
ضحك الثعلب وقال:
ولم لا؟ ربما نطلب إدارة جاهزة أيضا، مع دليل استعمال وضمان ضد الفشل.»
في المساء، رست سفينة جديدة في الميناء برازيلية الشكل.
صفق الجميع. ليس فرحا… بل لأن التصفيق صار عادة.أما الحمار، فكان أوفرهم حظًا:
تبنه مضمون،مستورد،ومصادق عليه من أبعد غابة في العالم.
بينما بقيت الغابة تنتظر موسما لا يأتي…وتتعلم كيف تعيش على الوعود، لا على الجذور.
