بدر شاشا
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات التي تعيش تحوّلات اقتصادية واجتماعية متسارعة، تحوّل سوق العمل إلى فضاءٍ متناقضٍ يرفع شعارات الحداثة والكفاءة، لكنه في العمق لا يزال أسير منطق “الورق” قبل الإنسان، والشهادة قبل المهارة، والختم قبل التجربة.
واقعٌ يخلّف أسئلة موجعة لدى الشباب، ويزرع الإحباط في نفوس الكفاءات، ويُهدر طاقات كان يمكن أن تصنع الفارق.
منذ سنوات، ترسّخ في الذهنية العامة أن الطريق الأقصر إلى الوظيفة يمر عبر ملف سميك من الشهادات والديبلومات، حتى ولو كانت بعيدة عن طبيعة العمل أو بلا أثر حقيقي على الأداء. صار السؤال الأول في المقابلات: ماذا تحمل من أوراق؟ لا ماذا تستطيع أن تُنجز؟ وأصبح السلم الوظيفي يُبنى على الألقاب الأكاديمية أكثر مما يُبنى على النتائج. في هذا السياق، يجد كثير من الشباب أنفسهم مجبرين على مطاردة الشهادات لا بدافع التعلّم، بل بدافع النجاة من الإقصاء.
المفارقة المؤلمة أن المغرب يزخر بكفاءات ميدانية عالية، اكتسبت خبرتها من الاحتكاك اليومي بالعمل، ومن مواجهة المشكلات الحقيقية، ومن تحمّل المسؤوليات في قطاعات حيوية كالصناعة واللوجستيك والخدمات والبيئة.
هذه الكفاءات كثيرًا ما تُقصى لأن “الورق” لا يطابق دفتر التحملات، أو لأن مسارها الدراسي لا ينسجم شكليًا مع متطلبات إعلان التوظيف، رغم انسجامه عمليًا مع حاجيات المنصب.
هذا المنطق لا يضرّ الأفراد فقط، بل يضرّ الاقتصاد الوطني. حين تُقدَّم الشهادة على الكفاءة، تُملأ المناصب بأشخاص قد يمتلكون لغة المصطلحات لكنهم يفتقدون مهارة القرار، ويجيدون الحفظ لكنهم يعجزون عن الابتكار.
وحين تُقصى الخبرة الميدانية، تُقصى معها الحكمة العملية التي تُجنّب المؤسسات الأخطاء المكلفة.
النتيجة مؤسسات بواجهات أنيقة وأداء متعثّر، وتقارير جميلة وواقع هش.
ولا يمكن إنكار أن للشهادة قيمتها، فهي دليل على مسار تعليمي، وعلى انضباط معرفي، وعلى قدرة على التعلّم المنهجي.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل الشهادة إلى غاية في حد ذاتها، وحين تُستعمل كشرط إقصائي بدل أن تكون معيارًا إرشاديًا. الأخطر من ذلك حين تُستغل “الورقية” لتكريس الزبونية، فيُفتح الباب لمن يملك الوثيقة المناسبة، ويُغلق في وجه من يملك القدرة الحقيقية.
في المقابل، يشهد العالم تحوّلًا واضحًا نحو تقييم المهارات، والاعتماد على الاختبارات العملية، وفترات التجربة، والمشاريع التطبيقية.
شركات كبرى لم تعد تسأل عن الشهادة بقدر ما تسأل عمّا أنجزت، وما الذي تستطيع إضافته.
هذا التحوّل ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة فرضها تسارع التكنولوجيا وتعقّد التحديات. والسؤال الذي يفرض نفسه: متى يلتحق المغرب بهذا المسار بشكل فعلي لا شكلي؟
الإصلاح الحقيقي لسوق العمل يبدأ من إعادة الاعتبار للكفاءة، دون إلغاء قيمة الشهادة.
يبدأ من إعلانات توظيف ذكية تُحدّد المهام بوضوح، وتفتح المجال للمسارات المتنوعة. يبدأ من مقابلات تُركّز على حلّ المشكلات، لا على استعراض السير الذاتية.
ويبدأ كذلك من منظومة تعليم وتكوين تربط المعرفة بالتطبيق، وتُدرّب على المهارة قبل الامتحان.
كما أن على الشباب أنفسهم أن يوازنوا بين “الورق” وبناء الكفاءة.
الشهادة وحدها لم تعد كافية، والكفاءة بلا إثبات رسمي قد لا تُنقذ صاحبها من الإقصاء. الحل في الجمع بين الاثنين، وفي توثيق الخبرة، وفي تطوير المهارات القابلة للقياس، وفي الإصرار على إثبات الذات داخل فضاءات العمل، مهما كانت البداية صعبة.
سيظل سوق العمل المغربي ساحة شدّ وجذب بين منطق الورق ومنطق الكفاءة.
لكن الرهان الحقيقي هو أن ننتقل من ثقافة تُقدّس الوثيقة إلى ثقافة تُثمّن الإنسان، من عقلية تسأل: ماذا تحمل؟ إلى عقلية تسأل: ماذا تُنجز؟ حينها فقط، يمكن للكفاءة أن تجد مكانها الطبيعي، ويمكن للمغرب أن يستثمر حقًا في ثروته الأغلى: موارده البشرية.
