قراءة هادئة في جحود الأشقاء بعد كأس إفريقيا

قراءة هادئة في جحود الأشقاء بعد كأس إفريقيا

كتبها: المحامي عبد الاله الوافي

لم يخرج المغرب من كأس إفريقيا بلا لقب، بل خرج بامتحان تاريخي نجح فيه وحده: امتحان القدرة على التنظيم، وضبط النفس، وتحمل ضريبة التفوق في قارة اعتادت أن تكسّر الناجح بدل أن تصعد إليه.

منذ اليوم الأول، لم تكن البطولة مجرد مباريات كرة قدم، بل كانت مرآة سياسية ونفسية وأخلاقية عكست مستوى الوعي الجمعي في إفريقيا والعالم العربي، وكشفت كم يصعب على بعض الأشقاء تقبّل فكرة بسيطة:

أن ينجح المغرب… دون وصاية، ودون صراخ، ودون حاجة إلى شهادة من أحد.

أولًا: التنظيم… حين يصبح الاتهام هروبًا

نظّم المغرب البطولة في ظرف اقتصادي يعرفه الجميع، دون شكوى، دون ابتزاز عاطفي، ودون تعليق الفشل على شماعة “الظروف”.

ملاعب جاهزة، نقل، أمن، جماهير، ضيافة، تغطية إعلامية، وانضباط زمني وكلها معايير اعترفت بها الكاف والشركاء الدوليون قبل الخصوم.

لكن المفارقة أن نجاح التنظيم لم يُقابَل بالاعتراف، بل بالاتهام:

اتهام بالكولسة، بالمؤامرة، وبالتحكم في دهاليز الاتحاد الإفريقي.

وهنا السؤال البسيط الذي لا يملكه أصحاب نظرية المؤامرة:

إن كان المغرب “كَوْلَس” البطولة… فلماذا خرج بدون لقب؟

المنطق لا يُهادِن: المؤامرة التي لا تُفضي إلى نتيجة اسمها خرافة.

ثانيًا: حين يتحول الحسد إلى خطاب

ما صدر عن بعض الأصوات الإعلامية والسياسية في الجزائر ليس جديدًا، بل امتداد لخطاب قديم يرى في كل نجاح مغربي تهديدًا وجوديًا.

لم تُناقَش المباريات، لم تُحلَّل الأخطاء التكتيكية، بل جرى القفز مباشرة إلى رواية جاهزة: “المغرب يسيطر”.

هذا ليس نقدًا رياضيًا، بل عجزٌ عن مواجهة مرآة الواقع.

أما في المشرق، فجاءت بعض التصريحات خصوصًا من مصر مشبعة بنبرة تعالٍ تاريخي لا علاقة له بالميدان.

كأن بعضهم يقول ضمنًا: نحن أصحاب المجد… وأنتم مجرد مضيفين.

وهنا تكمن الخطورة: حين تُدار كرة القدم بمنطق الذاكرة لا بمنطق المباراة.

ثالثًا: السنغال… حين ينهار الخطاب الأخلاقي

السنغال منتخب كبير، ولا أحد يجادل في قيمته الفنية.

لكن ما وقع في النهائي كشف حقيقة مُقلقة:

 ضغط على الحكم،

 احتجاجات فوضوية،

  تشكيك في التنظيم قبل المباراة،

 وسلوك لا يليق بمنتخب بطل.

الأدهى أن الهزيمة كادت تتحول إلى ذريعة لضرب صورة البلد المنظم، لولا أن المؤسسات الدولية نفسها أدانت تلك السلوكات.

وهنا يجب أن تُقال الكلمة بوضوح:

من يخسر بشرف، يربح احترام التاريخ.

ومن يخسر بالفوضى، يخسر أكثر من مباراة.

رابعًا: المغرب… أخلاق الخسارة

المغرب أضاع ركلة جزاء.

لم يحتج.

لم يتهم.

لم يُشكّك.

خرج المنتخب مرفوع الرأس، وخرجت الدولة هادئة، وخرج الجمهور واعيًا بأن كرة القدم ليست عدالة كونية بل لعبة احتمالات.

وهنا الفارق الجوهري بين من يبني دولة رياضية ومن يبحث عن عزاء نفسي في الاتهام.

الخلاصة: من ربح حقًا؟

 لم يربح من اتهم.

 لم يربح من صرخ.

 لم يربح من شكك.

الوحيد الذي ربح هو المغرب:

ربح التجربة، الصورة، الثقة الدولية، ورسالة واضحة مفادها:

نحن قادرون على التنظيم، وقادرون على الخسارة بشرف،

وقادرون حين يحين الوقت على التتويج دون ضجيج.

أما الجحود العربي والإفريقي، فسيبقى هامشًا عابرًا في سجل طويل، لأن التاريخ لا يُكتب بمنشور غاضب، بل بملاعب تُبنى، ومؤسسات تُدار، وأعصاب تُضبط.

وهذا…ما فعله المغرب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*